بعد حوالي نصف قرن أرى شخصي اليوم شاهدا على طموح الأمير لحل مشكلة ندرة المياه في بلدنا. قادني قدر الله وقدرته شابا -طالبا في الجامعة- لحضور محاضرة الأمير محمد الفيصل عام «1976» لأمر اصطفاه الله لشخصي، لأحمل لواء محاربة العطش الذي رفعه الأمير دون علمي في ذلك الوقت.
هناك أشياء أذكرها، وأشياء نسيتها، وأخرى لم استوعبها. لكن رسخت لوحة المحاضرة العامة في ذهني ونفسي كرسوخ اسمي في حياتي. معلومات سأستدعيها وأضعها أمامكم كمؤشر. سجلت بعض الأرقام والمعلومات في أوراق مذكراتي الجامعية التي رافقتني. كنت فخورا بنفسي وشاكرا شغفي حضور هذه المحاضرة.
ما شدني أكثر في المحاضرة، وحتى اليوم، هو مقارنته بسعر تكاليف توفير متر الماء المكعب بكل الوسائل المتاحة، حتى وقت المحاضرة عام «1976». على رأسها أعذبة مياه البحر «التحلية»، الأعلى تكلفة والأكثر ثمنا في ذلك الوقت، وفقا لتأكيد الأمير المحاضر.
سعر تكلفة المتر المكعب من مشروع جلب جبال الجليد يقل عن تكلفة «التحلية» بنسبة مهولة تصل حوالي «300» بالمائة. خلص الى أن جلب جبال الثلج هي الأقل تكلفة مقارنة بكل الوسائل المتاحة. أشبه بأن تكون المياه مجانية نظرا لتكلفتها الزهيدة مقارنة بغيرها.
الشيء الذي أذكره جيدا، هو تحديده للجزء الأكثر تكلفة في مشروعه جلب جبال الجليد من القطب الجنوبي. وهو تصنيع مكائن جبّارة خصيصا لجر جبال الجليد العائمة. قدرة كل واحدة منها تعادل «1500» حصان. تكلفتها عالية لكنها ستتبدد مع تكرار استخدامها في جر المزيد من جبال الجليد، بهذا تتوزع التكلفة لتصبح في النهاية شبه مجانية. هكذا قال وبثقة. مهمة التوربينات أو المكائن القوية هذه.. هو جر جبل جليدي واحد يصل وزنه حتى «1000» مليون طن. جبال الجليد عبارة عن كتل ضخمة منفصلة عن القطب المتجمد الجنوبي، وتسبح في المياه بأحجام وأوزان مختلفة.
المدهش أيضا في حياتي، أنه بعد عشر سنوات من محاضرة الأمير محمد الفيصل، عام «1986»، قرأت عن انفصال أكبر جبل جليدي عن جسم القطب المتجمد الجنوبي. تم تقدير مساحته بحوالي «4000» كيلومتر مربع، وبوزن يصل الى «تريليون» طن. هذا يوضح أهمية هذه الجبال كمصدر للمياه العذبة على مستوى العالم. هذا في نظري يلخص طموح الأمير للاستفادة من هذه الجبال الجليدية السائبة.
شرح الأمير المحاضر الكثير عن مشروعه. تعجبت من دقته في الطرح، وتناوله كل صغيرة وكبيرة عن مشروعه. لم يترك شيئا للصدفة، ولكن كل شيء كان عنده محسوب بدقة مدهشة. ما زلت متعجبا منها.
في هذا الأمر، هناك حقيقة أن مياه البحار المالحة لا يمكن تجميدها. ولو استطاع العلم تجميدها لأصبح المتجمد منها ماء عذبا يحل مشاكل ندرة المياه في العالم بأسره، طريقة يتجاهلها العالم ومراكز البحوث العلمية. ويستمر الحديث.
[email protected]



