لكن من بعد التخرج، أصبح كل شيء يمشي أسرع مني، ضبابية الطريق، والأحلام اللي كانت أمامي.. بدأت تتلاشى، أصبح من الصعب عليّ أن أغوص في بحور الورق، وأصبحت أختار الراحة، وأقنع نفسي إنها مؤقتة، لكنها طالت، وصار السؤال يطاردني ويتعقبني صبحاً ومساءً هل الشغف يختفي؟ هل يهرب من التعب؟ ولا يهذبني حتى أنا أبحث عنه؟
اليوم، كلّما هممت بالإمساك بقلمي، أو فتحت صفحة بيضاء، شعرت بشيءٍ! كأننا نتعارف للمرة الأولى ليس لأنني نسيت كيف أكتب، ولا لأنّ الكتابة قد هجرتني، بل لأنّ شيئًا في أعماقي يبدو مثقلاً، متراكماً، متشابكًا حدّ الاختناق ولم يكن معروفاً ما هو.
أهرب أحيانًا من الكتابة، لا لأنني لا أريدها، بل لأنني أخشى أن أوقظ مشاعر أرهقها الكتمان وتكون هكذا للأبد، أخشى أن أواجه ما دفنته في زوايا الروح، أخشى أن أبعثر ما بالكاد استطعت جمعه، ومع ذلك، هناك صوت صغير، لا يزال ينبض في داخلي.. يهمس لي بهدوءٍ، ويشبه همسات الطفل، اكتبي حتى وإن كنتِ لا ترغبين، اكتبي فلعلّ يتجدد طموح الأمس والحنين الذي يشبهك وتعودي.
ربّما لن أكتب كما كنت من قبل، ربّما ستكون كلماتي أبطأ، أهدأ، لكنّها بلا شك أصدق، لكنّ ما أنا واثقة منه أنني لن أسمح لقلمي أن ينام إلى الأبد، الكلمات لم تمت بداخلي، هي فقط أغلقت عينيها قليلًا، من التعب، من الزحام، من كلّ ما لا يُقال بفترة لم أرحم نفسي بها.
أما أنا؟ فقد أرهقني السير، نعم، لكنني لم أفقد الأمل لأنه شعاري بالحياة وللأبد، أكتب الآن، وأنا أشعر بالألم، لكنني أدرك، أن هذا الألم نفسه قد يكون مرشدي وتوجهي نحو الشغف الذي بدأ يستيقظ ببطء من سباته الطويل، الشغف الذي لم يمت، بل فقط أنُهك مؤقتاً، فالذين يحبّون الكتابة بصدق، حتى وهم في صمتهم، يسمعون صدى الحروف في أعماقهم، وربّما، فقط ربّما، تكون هذه اللحظة، بداية الطريق نحو الرجوع.
وأخيراً، أوصف هذه المرحلة التي تُكاد أن تكون مرحلة لكل من يقرأ الآن «بأنها ليست كل فترات الصمت موتًا..أحيانًا، هي مجرد استراحة تُعيد للروح شغفها».
[email protected]


