والتملق في صورته البسيطة قد يبدو مجرد مجاملة زائدة، لكنه يصبح أكثر وضوحًا عندما تختلف كلمات الإنسان عن قناعاته الحقيقية، أو عندما يتغير أسلوبه وموقفه تبعًا للشخص الذي يتحدث إليه.
وقد يمر الإنسان بمواقف يرى فيها شخصًا يتحدث عن أحدهم بطريقة مختلفة تمامًا عن حديثه عنه في غيابه، أو يبالغ في مدحه عندما يكون حاضرًا، ثم يتغير أسلوبه عندما يغيب. وفي مثل هذه الحالات قد يُوصف بأنه «متملق»، لأن الآخرين يشعرون بأن كلماته لا تعبر بالضرورة عن موقفه الحقيقي.
ومع ذلك، فإن إطلاق هذا الوصف يحتاج إلى قدر من التروي؛ فليس كل ثناء تملقًا، وليس كل مجاملة تعني أن الإنسان يبحث عن مصلحة. فقد يكون الشخص بطبيعته لطيفًا في حديثه، أو يختار الكلمات التي تحافظ على مشاعر الآخرين، أو يرى جوانب إيجابية لا يراها غيره. كما أن اختلاف طريقة التعبير من موقف إلى آخر لا يعني بالضرورة غياب الصدق.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الإنسان أسيرًا لقبول الآخرين، فيغيّر مواقفه وآراءه باستمرار وفقًا لمن أمامه، ويبالغ في الثناء حتى عندما لا يكون مقتنعًا بما يقول. ومع مرور الوقت، قد يفقد مثل هذا الأسلوب أهم ما يحتاجه الإنسان في علاقاته: الثقة.
فالإنسان الواضح لا يحتاج إلى أن يكون قاسيًا حتى يكون صادقًا، ولا يحتاج إلى أن يوافق الجميع حتى يحافظ على علاقاته. يستطيع أن يختلف بأدب، وأن يجامل دون مبالغة، وأن يقدم رأيه بطريقة تحفظ للآخر مكانته دون أن يتخلى عن قناعته.
ولعل أفضل طريقة لتجنب التملق هي أن يحرص الإنسان على أن يكون هناك قدر من الانسجام بين ما يؤمن به وما يقوله وما يفعله. وإذا أراد أن يمدح، فليكن مدحه نابعًا من قناعة، وإذا اختلف، فليختلف باحترام.
وفي النهاية، ليست المشكلة في الكلمة الجميلة ولا في المجاملة، وإنما في أن تصبح الكلمات مختلفة تمامًا عن القناعة.
[email protected]



