لم استعد في هيئتي لحضور هذه المناسبة، كان الأمر عادي لشخصي. كأني سأذهب الى قاعة محاضرة في الكلية. حولي هناك من أعرفهم ولي معهم تواصل والأكثرية هو حشود طلاب حولي نتفرج على بعض.
كنت أتوقع أن أحدهم سيلقي المحاضرة نيابة عن الأمير. اسوة ببعض المسؤولين في ذلك الوقت. يعطون الكلمة لأحدهم ليلقيها نيابة عنه. تفكير طالب محدود الخبرة في مجالات لم أقتحم اسرارها بعد.
كنت أحمل روحا عالية من الفضول الحميد. وكنت قارئا نهم. وكنت مستمع بدرجة امتياز لبعض الإذاعات. منها إذاعة الـ«BBC» اللندنية الشهيرة. يعني طالب مثقف على قد حاله، وما زلت.
ذهبت في اليوم الموعود والمشهود. طالبا يحمل بعض مذكراته في شكل لا يوحي بالأهمية. كما يقولون: «هبلة طالب». ركبت تكسي. اشترطت عليه أن يقف في المكان المناسب داخل الفندق حتى لا أتوه. وقد استجاب.
دخلت داخل سور الفندق. جاءني إحساس بأني جسم غريب في المكان. أيضا في هيئة تثير التساؤلات: ما الذي يفعله هذا هنا؟ هكذا كنت أرى نفسي في غربة الجو والمكان والناس. بقعة عالية التنسيق والتنظيم لا أنتمي له.
تشجعت ونزلت من التكسي. أشار صاحبه بأصبعه نحو البوابة. تحاملت على نفسي ومشيت نحو مكان رأيت الناس متجمعين فيه. بعضهم واقف والبعض الآخر جالس. كانوا في آخر شياكة كما تقول العرب. وقفت مشدوها أبحث عن نفسي. وبدأت أفكر في الانسحاب بهدوء قبل أن يتم طردي. كنت متأثرا بأفلام تلفزيون الظهران التابع لشركة أرامكو الذي كنت اتباعه منذ الصغر.
فجأة قدم نحوي شخص، وسرعان ما عرفته. أحد اساتذتي في الكلية مصري الجنسية. كان مندهشا ومتعجبا من تواجدي بين هذا الجمع الكبير. أخبرته بأنني هنا لحضور محاضرة الأمير محمد الفيصل. فجأة تغيرت ملامحه بهجة وسعادة. وضح لشخصي فخره بحضوري. رحب وسهل وكأنه يملك المكان. أخذني الى أحد الطاولات، وطلب من شخصي الجلوس.
غادر ليحضر لي كاسا من الشاي. شربته وارتوت عروقي وعادت إلي روح الاطمئنان والثقة. ما زلت أتذوق طعم ذلك الشاي حتى اليوم. فهو أول كأس شاي أشربه في فندق. وخبرتي كانت لا تتعدى براد أبو أربعة في قهاوي الطريق والمدينة. وجلسات يا قهوجي وينك؟
لم يتركني استاذي وحدي. لا بد أنه قرأ الكثير في ملامح وجهي وأيضا في هيئتي. أخذ بيدي فخورا وهو يمشي نحو القاعة. كنت واثقا من نفسي في ظل هيئتي المتقشفة. لا ترتقي لهيئة الحضور. أجلسني بجانبه في الصفوف الأولى من القاعة، وقتها كان وزني «48» كجم. نحيف القامة، بعقل مثقل بهموم عربية لا يحملها غيري من الطلاب.
جلست على كرسي استثنائي، وبدأت في تحريك قدرات عقلي. تهت في ملكوت القاعة الضخمة الواسعة الفراغ. لم اشاهد في حياتي ما يماثلها. الناس فيها وهيئتهم تزيد من هيبتها، وتزيد من شعوري بالغربة. قاعة لا أنتمي لها. ويستمر الحديث.
[email protected]


