قصة سالم ليست فريدة؛ إنها مشهد متكرر في البيوت والمدارس وأماكن العمل. كثير من الأشخاص يعيشون يوميًا تجربة الإبطال العاطفي، دون أن يدركوا أن هذا السلوك البسيط في ظاهره يترك ندوبًا عميقة في النفس. فالإبطال العاطفي لا يعني فقط تجاهل المشاعر، بل هو عملية متواصلة من الإنكار والتقليل والسخرية من المشاعر الإنسانية، سواء كانت غضبًا أو حزنًا أو خوفًا أو حتى فرحًا. فعندما يُقال لطفل «لا تبكِ مثل البنات»، أو لطالبة «كفي دراما، لا شيء يستحق الحزن»، أو لموظف «توقف عن الحساسية المفرطة»، فإن الرسالة التي تصلهم هي: مشاعرك غير مهمة بالنسبة لنا. هذه العبارات -وإن قيلت بحسن نية- تُحوّل الشعور الإنساني الطبيعي إلى خطأ يجب إخفاؤه. ومع مرور الوقت، يفقد الأفراد القدرة على فهم ذواتهم أو التعبير عنها، ويتكوّن في داخلهم نظام نفسي هشّ يتجنب المواجهة والتعبير، خشية النقد أو الرفض.
مما لا شك فيه أن الأثر النفسي للإبطال العاطفي عميق وممتد. فالأشخاص الذين يتعرضون له بشكل متكرر، خاصة في مرحلة الطفولة أو المراهقة، غالبًا ما يعانون من تدني الثقة بالنفس، وصعوبة في بناء علاقات صحية، وخوف دائم من الفشل أو الانتقاد. كما أنهم يميلون إلى الكبت العاطفي، مما يؤدي لاحقًا إلى اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب والانسحاب الاجتماعي. في المقابل، من يُحتوى عاطفيًا ويُشجَّع على التعبير، يطور شخصية متزنة وقادرة على مواجهة الصعوبات بثقة ومرونة.
ولا يقتصر خطر الإبطال العاطفي على الأفراد فحسب، بل يمتد إلى المجتمع بأسره. فالمؤسسات التي تتجاهل مشاعر موظفيها، أو تقلل من أهمية الصحة النفسية، تُنتج بيئات عمل باردة تفتقر إلى الإبداع والولاء. والمدارس التي تُمارس هذا النوع من الإبطال عبر المعلمين أو الإدارات، تقتل روح التساؤل والمبادرة في الطلاب، فتُخرج أجيالًا مترددة، تعتمد على التوجيه بدل التفكير. والمجتمع الذي يهمّش مشاعر أفراده، يخسر بالتدريج طاقاته الخلّاقة، لأن العاطفة هي المحرك الأول للإبداع. ولذا يرى علماء النفس أن الإبطال العاطفي يُضعف ما يسمى بـالذكاء العاطفي، وهو القدرة على فهم الذات والآخرين وإدارة المشاعر بوعي. ومن يفقد هذه المهارة يصبح عرضة للتقلبات، وسوء التواصل، والعلاقات المتوترة. لذا، فإن مواجهة الظاهرة تبدأ أولًا من الاعتراف بالمشاعر كحق إنساني طبيعي. لا ينبغي أن نخجل من الغضب أو الحزن أو الخوف، بل نتعلم كيف نعبر عنها بطريقة صحية، فالحل يبدأ من التربية والوعي. فالوالدان اللذان يُصغيان لطفلهما دون إصدار أحكام، والمعلم الذي يقدّر مشاعر طلابه قبل تقييم إجاباتهم، والمدير الذي يفسح المجال لحوار صادق في بيئة العمل، جميعهم يساهمون في بناء شخصيات قوية، متصالحة مع ذاتها، وقادرة على البناء والإبداع. إن الاعتراف بالمشاعر لا يعني ضعفًا، بل هو قوة في الفهم والتوازن.
إن بناء الإنسان لا يتحقق بالتقليل أو التجاهل، بل بالاحتواء والتقدير. فحين يشعر الفرد أن مشاعره مقبولة وصوته مسموع، يتحول إلى عنصر فاعل يسهم في تطوير مجتمعه. أما حين يُقابل بالإبطال مرارًا، ينسحب بصمت، ويختفي خلف قناع الطاعة أو اللامبالاة. ومن المهم أن ندرك أن الكلمة الواحدة قد تبني أو تهدم نفسًا بشرية. وإن الإبطال العاطفي، مهما بدا بسيطًا أو عابرًا، قد يكون السبب في انطفاء شغفٍ، أو تراجع حلمٍ، أو كسر روحٍ كانت قادرة على البناء. فليكن وعينا الإنساني أول خطوط الدفاع عن أنفسنا وعن أجيالٍ قادمة تستحق أن تُسمع وتُحتوى وتُقدّر والله من وراء القصد.
[email protected]

