ولأهمية المعلم في تحقيق الريادة والتميز التعليمي يأتي مشروع إعداد المعلم ضمن أربع مرتكزات رئيسية تتمثل في الإنتاج المعرفي والذي يُعد من أكثر المصطلحات العالمية لدى المنظمات والهيئات والحكومات ذات الأنظمة التعليمية الرائدة، لكونه يرتبط بالمنظمات التفاعلية التي تجعل من التطوير سمة سائدة لعملياتها وبرامجها وكوادرها، ومحفزة للابتكار المعرفي من خلال المعارف الضمنية والصريحة التي تملكها المنظمات. كما يبرز من خلال الاهتمام بصناعة الشخصية الوطنية المنافسة المعتزة بموروثاتها الوطنية والقيمية، وتحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي والعاطفي للطلبة بمختلف بمستوياتهم التعليمية، والعمل على بناء القدرات من خلال البرامج والمشاريع المكتشفة للقدرات ابتداء ومن ثم توجيهها وبنائها وفق رؤية تدريجية تكاملية بين مختلف القطاعات لتعزيز الاقتصاد الوطني، وتعدد الموارد المالية للجهات من خلال دعم مؤسسات الإعداد وتمكينها بالتجهيزات والمحفزات لتحقق رسالتها التعليمية المنشودة، وتحفيز ربط المعارف بالواقع الحياتي للطلبة، والتركيز على المعارف الوظيفية لا المجردة لضمان استدامة أثرها في شخصية الطلبة وتحويلها إلى منتجات وخدمات معرفية اقتصادية تنافسية.
وبالنظر في واقع التعليم السعودي، نلحظ أن المعلم هو ذلك المعلم الذي ينطلق في رحلته التعليمية وفق مفهوم الفريق، ويشعر بهم ويؤمن بقدراتهم وإمكانياتهم في تحقيق النجاح.
هو ذلك المعلم الذي يخلق الألباب ويحدوه الشغف لمهنته، ويسعى لرفع معنويات فريقه وألا يتسبب في خذلان فريقه في أسوء لحظاته، وهو ذلك الذي يلفت النظر المحلي والعالمي من خلال اهتمامه بذاته والمحتوى الذي يقدمه، والرسالة التي يحملها؛ ليصنع بذلك تجارب حياتية ناجحة داخل طلابه، وليرى طلابه أنفسهم بشكل مختلف لكونه موجوداً في حياتهم.
المعلم السعودي هو ذلك المعلم المميز المتسم بالتواضع في الاستعداد، والثقة في النجاح رغم الصعوبات وقلة الإمكانيات التي يواجهها، فتراه يتواضع بما يكفي ليعمل بجد في إعداد محاضرته على نحو مكتمل ومشوق من خلال إيمانه بقدراته ليحول الإمكانية إلى واقع. وهو ذلك المعلم الذي يتعرف على طلابه، وخبراتهم السابقة ذات الصلة بدرسه أو لا، وليتفادى الكوارث -لا قدر الله- فيما قد يُفهم بصورة غير مقصودة. المعلم السعودي هو ذلك القائد الذي يتولى تحديد الوجهة والاتجاه، فالبشر يولدون موجهين نحو الأهداف، ويريدون المضي قدماً باتجاهها ويشعرون بالقلق عندما يفتقرون للتوجيه، ومع التوجيه والمتابعة يستطيع الأشخاص العاديون تحقيق أمور استثنائية من خلال الدعم والمؤازرة والالتزام بالاتجاه، ويجدر بهم تسهيل الإنجاز والتنفيذ، ودفع المتعلمين نحو الابتكار ليتمكنوا من الوصول لأهدافهم.
ولنكمل جمعياً مسيرة التطور والتألق وفق رؤية وطنية لابد أن ندرك أن أفضل المعلمين والقادة ينصتون للآخرين باهتمام شديد، ويتواصلون بشكل تعاطفي، ويحفزون ببراعة. واليوم يتعين على المعلمين والقادة أن يتفهموا جماهيرهم، والتأثير عليهم بالأفعال بديلاً عن فرضها، ويجب على كل منهما أن يكون شجاعاً بما يكفي لجعل أنفسهم قابلين للانكشاف والاعتراف بالأخطاء. فالمعلمون يقودون، والقادة يعملون، حيث يقوم المعلمون بنمذجة السلوكيات التي يريدون من الطلاب تبنيها، ويحفزونهم للقيام بها من خلال القدوة وسرد القصص وإيراد الأمثلة، ويتخذون قرارات تؤثر على كافة الطلاب، فقيادتهم تتمحور حول المعرفة وصناعتها، وتعديل السلوك وتوجيهه من خلال بناء العلاقات وشعور الطلاب بالأمان الكافي للمخاطرة، واقتراح الأفكار المبتكرة، وإتاحة مساحة كافية من الحديث ومشاركة الأفكار، وبناء الثقة ومساعدة الطلاب على التعلم والنمو في مختلف الجهات. وأخيراً فالتدريس والقيادة نشاطان متداخلان بشكل معقد وليسا متباينين كما يظن البعض، فأفضل المعلمين هم أفضل القادة في الحقيقة، وأفضل القادة هم أيضاً معلمين.
[email protected]



