يمثل العمل الجماعي قيمة مجتمعية فلا مجال للفردية والاستقلالية المرتكزة على تحقيق مصالح الفرد وتميزه بعيداً عن المحيط الذي ينتمي إليه، حيث يتم تربية الفرد الياباني منذ نعومة أظفاره على العمل التكاملي وبذل الجهد لتميز المنظومة التي ينتمي إليها بدءاً من العائلة ثم المدرسة ثم المجتمع وأماكن العمل، فالنجاح محصلة قيام الجميع بالمهام الموكلة إليهم وفق المخطط له بعيداً عن الارتجالية والعشوائية، حيث يتم صناعة القرار بناء على مشاركة الجميع بالتوافق والذي لا يعني بالضرورة موافقة الجميع، إلا أن عملية التواصل والاطلاع على آراء جميع الأفراد وتبادل المعرفة تعزز الإحساس بالهوية المشتركة للمجموعة وتسهل تطبيق تلك القرارات.
ويمتاز المجتمع الياباني باللطف ولين الجانب من خلال تعاملاته اليومية في المتاجر ووسائل النقل العام، والذي يبرز من خلال الابتسامة وتقديم الخدمة في أفضل صورها، ومحاولة فهم العميل واحتياجه في حال تعذر التواصل اللغوي واستخدام التطبيقات اللغوية الرقمية لتقديم المساعدة بشتى صورها، وتتجلى ذلك في احترام كبار السن وذوي الهمم وتخصيص مقاعد لهم في وسائل النقل العام، وتصميم الممرات والسلالم بما يناسبهم ويحفظ سلامتهم. ومن القيم البارزة في المجتمع الياباني التقدير والاحترام المبني على التراتبية المتعلقة بالسن، والتحصيل العلمي، والانتماء الوظيفي والسمات الشخصية على سبيل المثال؛ مما قد يدفع الفرد الياباني لتجنب التعامل مع الغرباء لتفادي الوقوع في أخطاء التعامل معهم. وتظهر كذلك من خلال تجنب الفرد للنظر مباشرة إلى أعين الأخرين مما يجعل السياح قد يخطئون في ترجمة ذلك السلوك وفهمه. ومما يميز المجتمع الياباني مرونته العالية وقدرته العالية على التعافي بعد الأزمات والكوارث الطبيعية التي تمر به، والتخطيط المحكم للتعامل معها، وتدريب الأفراد عليها وفق مسؤولياتهم ومواقعهم الوظيفية، والعمل على ضبط بوصلة اتجاه الأفراد نحو هدف شعبوي واضح ومحدد نهضة اليابان وتميزه اقتصادياً وتقنياً.
ويبرز اهتمام اليابان بترجمة قيمها على هيئة مزارات سياحية، وتصميم تجربة السائح بما يلاءم القيمة المراد إبرازها، ومنها على سبيل المثال: إبراز قيمة الوفاء من خلال تصميم مجسم الكلب -أكرمكم الله- المعروف بهاتشي في أبرز الساحات العامة بشيبويا بمحطة طوكيو، حيث يتحدث المجسم عن ذلك الكلب -أكرمكم الله- والذي يعود لعام 1925 م حيث ودّع البروفيسور أوينو لهاتشي كلبه كالمعتاد وذهب إلى عمله، ولكنه أصيب بنزيف دماغي بعد انتهاء اجتماع لأعضاء التدريس وتوفي على إثر ذلك عن عمر ناهز 53 عاماً، وفي المساء ذهب هاتشي إلى محطة شيبويا لاستقبال البروفيسور ولكنه لم يجده كالمعتاد مما دفعه ليشعر بأن أمراً سيئا حصل لسيده، ولكنه دأب على الذهاب إلى محطة شيبويا يوميا في الصباح والمساء حيث كان يجلس أمام بوابة التذاكر. ويواصل جلوسه هناك ظاناً بأن سيده سيعود يوما ما.
وأخيراً في ظل تعزيز السياحة بالمملكة العربية السعودية والترويج لوجهاتها من خلال مشروع «روح السعودية» ومشروع «أكسبوا» وغيرها تبرز أهمية الترويج لقيم المجتمع وصناعة عدد من المنتجات التسويقية لذلك، بجانب الترويج الثقافي والتقني والسياحي لتعدد مشارب السائحين ما بين مسافر للمتعة والاطلاع على ثقافات الشعوب وتاريخها وحضارتها، وما بين تاجر ومتكسب للمال، وما بين طالب للعلاج والاستشفاء، وما بين قاصد لبناء الذات وتنمية القدرات، والقائمة تطول في ذلك.
جامعة الملك خالد


