في كل صف دراسي، ثمة من يتصدر المشهد: يجيب بسرعة، يشارك كثيرًا، ويحظى بالإعجاب، لكن خلف هذا المشهد يجلس بصمت أطفال لا يلفتون الأنظار، لا يكثرون الحديث، وربما لا يبدو عليهم شيء استثنائي، إلا أن داخلهم قد تسكن بذور عبقرية تنتظر فقط من يسقيها.
في أحد الزوايا، طفل يتأنى قبل أن يجيب ليس لأنه بطيء؛ بل لأنه يرى السؤال من زوايا لا نفكر بها، وعلى المقعد الأمامي طفلة تتحرك كثيرًا وُصفت بأنها مزعجة، لكنها تحفظ القصيدة من أول قراءة، وتلتقط الأنماط من بين السطور، وبعد نهاية اليوم الدراسي، بينما يُغلق زملاؤهم الكتب، يفتح أحدهم حاسوبه ليبرمج لعبة من تصميمه دون أن يدرك أن ما يفعله هو موهبة، تستحق أن تُكتشف.
لكن كم من هذه المواهب لم تُكتشف؟ كم من العقول تم تجاهلها لأنها لم تتأقلم مع القالب التعليمي التقليدي؟ اليوم، لم يعد الذكاء الاصطناعي أداة لتصحيح الإجابات فقط، بل بات يُحلل طريقة التفكير نفسها، في تجربة بجامعة ستانفورد استُخدمت خوارزميات متقدمة لرصد أنماط التفكير أثناء الحل، وتوصل الباحثون إلى أن من نُصنّفهم أحيانًا كبطيئين هم في الحقيقة مفكرون عميقون، يلتقطون المعلومة ويعالجونها بطرق غير تقليدية وربما أكثر دقة.
وفي كتاب رحلة الابتكار يروي الأستاذ باسم جفال أن وكالة ناسا أجرت دراسة على أطفال بعمر خمس سنوات، فوجدت أن نسبة الإبداع لديهم 98٪. وبعد خمس سنوات فقط، تراجعت النسبة إلى 30٪، لم تتغير عقول الأطفال، الذي تغيّر هو البيئة التعليمية التي كبّلت الفضول، وفرضت قوالب لا تسمح بالاختلاف.
وهنا، يبرز سؤال محوري: هل يمكن أن يحل الذكاء الاصطناعي مكان المعلم؟ قد يبدو الجواب نعم من زاوية تقنية، لكن الواقع يقول: لا، الخوارزمية لا تبتسم لأحمد حين يتردد، ولا تشجع شهد حين تخشى الخطأ، ولا تلاحظ العيون التي تنتظر أن يشعر بها أحد، الذكاء الاصطناعي لا يحمل تحيزًا، لكنه لا يحمل مشاعر أيضًا، يقرأ البيانات لا القلوب، يلاحظ الأنماط، لكنه لا يفهم الصمت، ولا يحتفل بالإنجازات الصغيرة التي لا تُقاس بالأرقام.
المعلم، لا سيما المعلم المبدع، هو من يرى ما لا تراه الخوارزميات، هو من يكتشف القصص خلف السلوك، والكنوز خلف العثرات، يمنح كل طفل مساحته، وكل فكرة فرصتها، ويؤمن أن الموهبة لا تُقاس بدرجات، ولا تُختصر في مشاركة صفية.
ولأننا نتحدث عن الموهبة، لا بد أن نفتح ملف الفشل، كثيرًا ما يُخيف التعليم التقليدي الأطفال من الفشل، رغم أنه البوابة الأولى للنجاح، نحتاج أن نُربيهم على تقبله، لا على الهروب منه، أن يُخطئوا، ويُعيدوا المحاولة، دون أن يُنتزع منهم إيمانهم بأنفسهم، كم من ناجح بدأت رحلته برفض أو تأخر دراسي؟ وكم من طفل موهوب انطفأ، فقط لأنه لم يجد من يصدّقه؟
إن أردنا بيئة تعليمية تنبض بالإبداع، فلنقِس الطلاب بطريقتهم، لا بطريقتنا، ولنُعد للأسئلة قيمتها، وللخيال احترامه، وللفروق الفردية مساحتها، حينها فقط سنكتشف مواهب صامتة لم تُرَ من قبل، وفي زمن تكتشف فيه الخوارزميات العقول يبقى المعلم المؤمن برسالته، هو الأقدر على إنقاذها.



