في المفهوم الديمقراطي، الأحزاب أداة للتعددية السياسية وصوت للشعب داخل قبة البرلمان. لكنها، في معظم الدول العربية، تحولت إلى كيانات تُفرّق لا تُوحّد، تُجرّح لا تُصلح، وتُجذّر الطائفية لا تُعالجها.
لقد رأينا بأعيننا كيف تحوّلت بعض الأحزاب إلى ميليشيات، وكيف صارت بعض الزعامات الحزبية فوق الدولة، وكيف أصبح الولاء للحزب يفوق الولاء والانتماء للوطن. وفي ظل ذلك، تضيع العدالة، وتُنهك المؤسسات، ويغيب صوت الإنسان العادي الذي يحلم فقط بالعيش بكرامة.
الراحة النفسية للمواطن العربي لا يمكن أن تتحقق في مناخ يتسم بالاحتقان والانقسام والخصومات السياسية الدائمة. ما فائدة أن تكون حراً في الانتخاب إذا كنت تختار بين عشرات الخيارات التي لا تمثّلك، بل تمثّل قبيلة أو طائفة أو مصالح خارجية؟ ما جدوى الديمقراطية إن كانت أداة لبث الكراهية والتمترس خلف الخنادق السياسية؟
من لبنان إلى العراق، ومن ليبيا إلى اليمن، كان للأحزاب وجهان: وجه يُجمّل الديمقراطية إعلامياً، ووجه يُمزّق الدولة عملياً. ما بين خطاب العقل وخطاب الشارع، انهارت مؤسسات، وتفككت أنظمة، وتحول الوطن إلى كيان هش يتنازعه من يسعون للمكاسب لا للبناء.
الحل يكون بتقنين دور الأحزاب وإعادة صياغته ضمن مشروع وطني جامع، وبحل الأحزاب التي ثبت فسادها وانقسامها وتبعيتها للخارج. كما أن بناء مجتمع قوي يقوم على روح المواطنة والولاء والانتماء للوطن، يبدأ من تربية الطفل العربي على حب بلاده، لا على الولاء لحزب أو رمز أو تيار سياسي. فالوطن أكبر من أن يُختزل في حزب، وأقدس من أن يُستخدم كورقة في لعبة سياسية.
وختاماً، أقول أن الدول العربية اليوم بحاجة إلى وقفة صادقة، جريئة، ومخلصة مع ذاتها. لقد آن الأوان لأن ندرك أن راحة الشعوب ليست في كثرة الأحزاب، بل في وحدة القرار ونقاء النية. والعيش بطمأنينة.
[email protected]


