فالتوقعات العالية مثل الظل، تلاحقك كلما تقدمت. وكلما ارتفعت، صار الوصول إليها أصعب، وهنا تقع المفارقة: لأن تحسّن ظروفك لا يؤدي دائمًا إلى مزيد من السعادة، بل أحيانًا العكس تمامًا ، فالسعادة ليست مرتبطة بالثروة أو الراحة فقط، بل بشكل أكبر بالتوقعات التي تقارن بها واقعك، فعندما تتوقع أكثر مما تملك، تشعر بالنقص.
وعندما تملك أكثر مما كنت تتوقع، تشعر بالامتنان، و يمكنك أن تلاحظ بأنه في عالم يتطور بسرعة، تتحسن جودة الحياة يومًا بعد يوم، فالطب ينقذ الأرواح، والتكنولوجيا تسهّل المهام، الدخل يزداد، الخيارات تتوسع، ولكن هل زادت السعادة؟ الإجابة المحزنة: لا، بل في بعض الأحيان، لم تتحرك، والسبب؟ لأن التوقعات ارتفعت بنفس القدر أو أكثر، فما كان رفاهية أمس، أصبح ضرورة اليوم، وما كان حلمًا، صار عاديًا جدًا، و هذا ما وصفه الفيلسوف مونتسكيو قبل 275 عامًا «إذا رغبت أن تكون سعيدًا فحسب، يمكنك ذلك بسهولة. لكننا لا نريد فقط أن نكون سعداء، بل أن نكون أسعد من غيرنا، وهذا صعب دائمًا». وكلامه لا يزال صادقًا اليوم كما كان في زمنه ، فنحن لا نقيس سعادتنا بما نملك، بل بمن نُقارن أنفسنا بهم، وهذا ما يجعل الشعور بالنقص حاضرًا، حتى في أوقات النجاح، ولو درست حياة أحد أغنى الرجال في التاريخ القديم، ستجد بأنه لم يكن يملك مضادات حيوية أو مكيف هواء، ورغم ذلك، لا يشعر المواطن العادي اليوم أنه أفضل حالًا منه، لماذا؟ لأن مقياسه ليس الماضي، بل من حوله في الحاضر، فنحن نعيش في مجتمع يقيس السعادة بمقارنة مستمرة:
وقد قالها أحدهم باختصار «الجشع لا يحرك العالم، بل الحسد» ، الحسد هنا ليس دائمًا حقدًا، بل هو ذلك الشعور الخفي بأن غيرك سبقك بخطوة، وأنك يجب أن تلاحقه، والمشكلة أن هذه المقارنات تؤدي إلى تضخم أسلوب الحياة، فبدلًا من الاستمتاع بالتحسن، نبدأ بتوسيعه وملاحقته، حتى يتحول إلى عبء نفسي، ولكن تخيل أنك خفضت توقعاتك بنسبة 30% ، هل سيتغير شعورك تجاه حياتك؟هل ستشعر بالهدوء أكثر؟ هل ستتذوق النعم الصغيرة التي أصبحت تعتبرها عادية؟ ولهذا فالسعادة ليست هدفًا بعيدًا، بل حالة ذهنية، وأول خطوة نحوها: أن تعيد ضبط ميزان توقعاتك ، وبدلًا من أن تسأل نفسك كل صباح: «لماذا لا أملك كذا؟» اسأل: «ماذا لدي الآن مما كنت أتمنى امتلاكه في الماضي؟» ، فهذه هي المقارنة الوحيدة التي تستحق، لأنها تعيدك إلى الواقع، وتمنحك الامتنان ،وتعطيك سعادة حقيقية، لا مؤقتة، فالأمر لا يتعلق بالتقليل من طموحاتك، بل بإدراك أن السعادة لا تأتي من ملاحقة المزيد، بل من تقدير ما لديك الآن، دون أن تسرقه منك توقعات لا تنتهي.
[email protected]



