وتتجلى المروءة في التقدير الصادق؛ ذلك التقدير الذي يتجاوز المجاملات العابرة، ليعترف بجهد الآخر الخفي، ويقدّر عطاءه. وهي أيضًا أن يمتلك المرء بوصلة داخلية تدفعه إلى تغليب المحاسن وإقالة العثرات، وأن يرى في ضعف الآخر الإنساني سببًا للعذر، وفي تعثره مدعاة للستر لا فرصة للتشفي.
ومن المروءة حفظ المعروف وذكر الإحسان؛ فالنفس الكريمة تظل وفية لمن امتدت يده إليها يومًا بالخير، وتمنح من يقدّرها اهتمامًا وسؤالًا عند الغياب، وتمنح جليسها حضورًا وجدانيًا كاملًا. ومن صورها أيضًا حفظ غيبة الآخرين في المجالس، وإشاعة الكلمة الطيبة، ولقاؤهم بصدر رحب ووجه مبتسم، والتغافل عن الهفوات بحكمة. وهذه كلها خصال لا تُشترى، بل تُغرس في الوجدان بالتربية، وتنضج مع التجارب، وتتحول إلى سلوك يومي في مختلف مواقف الحياة.
والمروءة لا تظهر فقط في المواقف الكبيرة، بل تتجلى كذلك في التفاصيل الصغيرة؛ في كلمة طيبة، وموقف كريم، واعتذار عند الخطأ، ومساندة في وقت الحاجة، وحفظ للود حتى في أوقات الاختلاف.
فإذا كانت الماديات قادرة على تزيين الواجهات، فإن المروءة هي التي تسهم في بناء الإنسان من الداخل، وتمنحه قيمة لا ترتبط بما يملك، بل بما يقدمه من خلق وموقف وتعامل.
وهكذا تبقى المروءة من القيم التي تمنح الحياة معناها الإنساني، لأنها تجعل الإنسان أكثر تقديرًا للآخرين، وأكثر حرصًا على حفظ المعروف، وأقرب إلى التعامل بكرم واحترام في مختلف تفاصيل الحياة.
@Abeerg_



