هذا السؤال يفسر جانبًا من المشهد الاتصالي الذي نراه اليوم، حيث يختلط الحضور بكثافته بالاتجاه، وتتشابه الحركة مع التقدم، بينما المسافة بينهما أبعد مما تبدو عليه. فليس كل نشاط اتصالي يترك أثرًا، وليس كل ظهور رقمي يرسخ صورة ذهنية واضحة. وأحيانًا تبدو المنصات مزدحمة بالمحتوى، فيما تبقى الرسالة الأساسية للجهة غائبة وسط هذا الزحام.
وفي بيئة رقمية تتنافس فيها المؤسسات على جذب الانتباه، أصبح إنتاج المحتوى جزءًا من العمل اليومي لكثير من الجهات، ومع ذلك فإن القيمة الحقيقية تكمن في وضوح الفكرة التي تقف خلفه. فالعمل الاتصالي يبدأ من إدراك المؤسسة لهويتها ورسالتها وأهدافها، ثم ترجمة ذلك إلى محتوى متسق يسير في اتجاه معلوم، ويخدم صورة الجهة ومكانتها لدى جمهورها.
ومن هنا يظهر الفرق بين جهة تتواصل، وجهة تعرف إلى أين يتجه اتصالها. فالجهة التي تمتلك رؤية اتصالية واضحة تبني رسائلها وفق أولويات محددة، وتختار موضوعاتها بعناية، وتدرك كيف يمكن لكل ظهور إعلامي أن يسهم في تعزيز حضورها.
وتزداد هذه الفجوة وضوحًا عندما يصبح «الترند» مرجعًا لاتخاذ القرار الاتصالي، أو عندما يكون ما تفعله الجهات الأخرى هو المحرك الأساسي للمحتوى. فمواكبة الاتجاهات الرقمية ممارسة مشروعة ومفيدة عندما تنسجم مع هوية الجهة وتضيف قيمة حقيقية للجمهور. عندها يصبح المحتوى جزءًا من حوار أوسع يعكس شخصية المؤسسة ويعزز حضورها. أما عندما يتحول الأمر إلى متابعة مستمرة لكل موضوع متداول، فإن الرسائل قد تفقد ترابطها، وتغدو المنصات أقرب إلى لوحة متفرقة العناصر يصعب قراءة ملامحها.
واللافت أن بعض المؤسسات تستثمر وقتًا وموارد كبيرة في إنتاج المحتوى، بينما تحتاج في الوقت نفسه إلى منح القدر نفسه من الاهتمام لبناء استراتيجيتها الاتصالية واستقطاب الكفاءات المهنية في هذا المجال. والنتيجة أن الجمهور قد يرى كمًا كبيرًا من المنشورات، لكنه لا يستطيع تكوين صورة واضحة عما تمثله الجهة أو ما الذي يميزها عن غيرها. فالصورة الذهنية تُبنى بتراكم الرسائل المتسقة عبر الزمن، والسمعة تُبنى خلال سنوات طويلة، لكنها قد تتأثر في لحظة واحدة.
ولهذا السبب، تنجح الجهات التي تمتلك رؤية اتصالية واضحة في المحافظة على اتزان حضورها الرقمي. فهي تعرف ماذا تقول، ومتى تقول، ولمن تقول.
@Niizalshehri



