منجم التفكير هو المنجم المفكر الذي يتعمق في حروف الجمل، فيفهم معناها الحقيقي الذي يقصده المتكلم، فلا يستعجل في الحكم عليه قبل الاستماع إليه منذ أول حرف حتى نقطة النهاية، ويرى علامات الترقيم التي تختبئ بين الكلمات؛ فالمعنى قد يتغير بوجود علامة الاستفهام بدلًا من النقطة.
فيصبح العارف طالبًا للمعرفة، ويصنع المنجم ردودًا جوهرية، ولكنه لا يجعلها ظاهرة أمام الأعين؛ فكما يحتاج الشخص إلى العودة بضع خطوات قبل القفز إلى الضفة الأخرى من النهر، تكون حال جواهر المنجم كذلك قبل الانطلاق.
جواهر المنجم التي صنعها التفكير بعد التعمق في لبّ معاني الكلمات، تخفي بريقها بين الصخور؛ فعليها العبور بينها ليتم اختبار جوهرها. فمن تستطيع الصخور تحطيمها، فهي ليست أهلًا للنطق بها، وهناك من الصخور ما يتأثر لدرجة الاشتعال؛ فبعض الكلمات قد تتسبب في إثارة الفتن، وصناعة أشواك المشكلات.
فلعل كلمة طائشة تتسبب في تدمير صداقات طالما تغنّت بها الأيام الصعبة، وهناك جواهر تنصهر حتى تعيد الصخور المتكسرة؛ فهذا ما تصنعه الكلمة الطيبة في نفوس السامعين، وهي التي تتمكن من تجاوز الاختبار بجدارة.
هناك آيات كريمة وأحاديث نبوية شريفة كثيرة عن أهمية الكلمة الطيبة، التي تنثر روح الحياة الطيبة في القلوب، وليستمر منجم التفكير في صناعة الجواهر الثمينة، حتى تعبر ممرات الواقع، فترى الصالح منها والطالح، وتتشكّل ملامحها لتتناسب مع من تقابله.
فلا تحتاج إلى سرعة البرق لتعبرها؛ فالاصطدام سيكون خصمها اللدود، الذي إن لم يهزمها، فسيحطم من عزائمها. وعلى الرغم من أن هذا المنجم يعاصر عصر السرعة، فإنه يتجاهل الأفكار المتعجلة التي تتجاوز الثواني، ويركز على جمال الهدوء ورونق التأني.
استخرج العمال من الأحبال الصوتية جواهر منجم التفكير، ولاحظوا دقة زواياها، وانطلقت عبر اللسان لتسرد حكاياتها الشفافة بمنتهى روعة التأني.
[email protected]



