ويدل على ما ذكرناه آنفا، أنه قد جاء في الحديث النبوي: «لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن ذَهَبٍ أحَبَّ أنْ يَكونَ له وادِيانِ، ولَنْ يَمْلَأَ فاهُ إلَّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ علَى مَن تابَ». وقد جاء أيضا في قصة أيوب -عليه الصلاة والسلام-: «بيْنَا أيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا، فَخَرَّ عليه جَرَادٌ مِن ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أيُّوبُ يَحْتَثِي في ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يا أيُّوبُ، ألَمْ أكُنْ أغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قالَ: بَلَى وعِزَّتِكَ، ولَكِنْ لا غِنَى بي عن بَرَكَتِكَ». ومن الأمثال ما يؤكد ذلك، حيث قيل: المال عديل الروح. بل جاء الحديث النبوي بدلالة صريحة على حب المال حتى في سن المشيب، فقد قال عليه الصلاة السلام: «قلبُ الشيخِ شابَ في حبِّ اثنتيْنِ، في حبِّ الحياةِ، وكثرةِ المالِ». وإذا استنادا إلى ما سبق، أود أتطرق إلى مسألتين:
الأولى، لماذا لم يرزقنا الله سبحانه وتعالى جميعا المال الكثير كما سألناه، وهو الغني الكريم، والقادر على أن يجعل السماء تمطر مالا؟! وهناك عدة إجابات على هذا التساؤل. من ذلك مثلا قوله سبحانه وتعالى: «وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ولكن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ».
ومنها ما جاء في الأثر: «إن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا بالغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، فلو بسطت له لأفسده ذلك» والمعنى لهذا الأثر صحيح جدا، فالمتأمل سيجد بعضا من الذين بسط الله لهم الرزق مالا أسرفوا و»هايطوا». وقد شاهدنا صنفا من هذا النوع على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت الغاية الأولى استعراض البذخ بلا عقل ولا حكمة، وقد كان منهم من قبل من لا يملك شيئا!
بالإضافة إلى ما أسلفنا، فقد يكون إغداق المال نقمة لا نعمة! فالله سبحانه وتعالى قد قال في محكم التنزيل: «وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ «75» فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ «76» فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ «77». فالفلوس قد تخرج مكنون النفوس!
والمسألة الثانية، وهي في المقابل، لا يعني هذا التزهيد في جمع المال والغنى، ولكن حسن التدبير هو المطلوب والمنشود خصوصا مع تقدم العمر لأن دائرة الأنفاق تزداد، والمسؤوليات تكثر. ولذلك نقول: احفظ قرشك في شبابك ينفعك في مشيبك. أضف إلى ذلك، أن الأزمات المالية أمر لا مفر منه، وهي تمر على الفقير دوما! وعلى الغني أحيانا.
فهل عرفتم الآن لماذا لا تمطر السماء مالا؟!
@abdullaghannam


