وحين تكتمل هذه المهمة، يشعر فريق الاتصال بأنه أنجز خطوة مهمة على طريق تنظيم العمل وتحديد اتجاهاته، وهذا شعور مستحق. لكن ثمة سؤالًا آخر ربما يكون أكثر أهمية: هل وجود استراتيجية جيدة يعني بالضرورة القدرة على تنفيذها وتحقيق مستهدفاتها؟
هنا تبدأ مساحة مختلفة للتفكير؛ فنجاح أي استراتيجية لا يرتبط فقط بجودة ما كُتب فيها، ولا بدقة أهدافها ومؤشراتها، بل يرتبط كذلك بالبيئة التي ستنتقل فيها هذه الاستراتيجية من الورق إلى الواقع. ومن هنا تبرز «الثقافة المؤسسية» بوصفها أحد أهم عناصر التمكين التي قد تحدد قدرة المؤسسة على تحويل استراتيجيتها إلى ممارسة وسلوك ونتائج.
وانطلاقًا من كون الاستراتيجية في لبها بوصلة تحدد الاتجاهات نحو أهداف طويلة المدى، فإن الحقيقة التي ستكتشفها وتمهد لأهم قفزة في خبراتك المهنية تتلخص في أن الاستراتيجية لا مكان لتنفيذ أهم مستهدفاتها دون أن تكون هناك ثقافة مؤسسية داعمة في بيئة العمل؛ ولا غنى عن وجود بيئة محيطة دافعة إلى الأمام لتحقيق أهم مستهدفات هذه الاستراتيجيات، غنية بمن يتوافقون معك مهنيًا ويؤمنون بالعمل معك كشركاء، انطلاقًا من إيمانهم العميق بقيم مؤسسية قابلة للتحقيق، بل ولها دلائل واضحة ومشهودة على أرض الواقع، في جوانب العدالة والنزاهة والابتكار وغير ذلك من القيم التي تتغنى بها آلاف المؤسسات.
شاعت مقولة منسوبة إلى بيتر دراكر تقول: «الثقافة تلتهم الاستراتيجية على الإفطار»، وهذا الرجل هو الأب الروحي للإدارة الحديثة واستراتيجياتها، قبل أن تصبح الاستراتيجية قدرًا ومتطلبًا حتميًا لكل الكيانات المؤسسية على مستوى العالم. ومغزى العبارة التي أطلقها دراكر هو أن كل الاستراتيجيات تظل ضئيلة أمام العامل الأقوى، وهذا العامل العملاق في تأثيره هو الثقافة المؤسسية السائدة. وإذا كانت الثقافة المؤسسية قادرة على التهام الاستراتيجية كوجبة خفيفة على الإفطار، فما الذي يمكن أن تتناوله على الغداء أو العشاء؟
والخلاصة هي أن الاتصال المؤسسي يستقبل بواكير إلهامه من الثقافة السائدة في البيئة المحيطة، ومن خلال هذا الإلهام ينطلق في رحلة اتصاله الناجحة والإيجابية مع مجتمعه الداخلي والخارجي.



