هل ما زال القمر يتبعك كما كنت تعتقد وأنت في سن السادسة، وكما كان يعتقد الكثيرون؟ أم أننا كبرنا وفهمنا أننا لسنا محور الكون!
يبدأ النضج حين يدرك الإنسان هامشيته، وأيضا عندما يكون قادرا على الاهتمام بشؤونه الخاصة، ويتوقف عن التدخل في شؤون الآخرين.
المجتمعات الفاضلة والناجحة هي من تكرس طاقتها لبناء ذاتها، وتتوقف عن إصدار الأحكام، مع عدم فرض فكرة مركزية الذات وجلد الآخر المختلف، وإن أعظم مساهمة تقوم بها للمجتمع أن تدع الآخرين وشأنهم.
تقول صديقتي عن الحديث الشريف "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه"، ولكن بعضهم يبحث عن مالا يعنيه ويذهب له.
«الرواقيون» كانت لهم فلسفة عظيمة، تلك التي نادى بها أبكتاتوس الفيلسوف اليوناني الذي عاش في القرن الثاني، وهي تعاليم أخلاقية موجودة في نظريته حول الواجبات التي يضعها في ثلاثة أصناف،
واجبات نحو الذات، وواجبات نحو الآخرين، وواجبات نحو الله، وقال: إننا مسؤولون عن بعض الأمور، ولكن هناك أمورا لا نستطيع تحمل مسؤوليتها، الأولى تشمل حكمنا ودافعنا ورغبتنا ونفورنا «الكراهية» وملكاتنا العقلية، أما اللاحقة فتشمل الجسم والممتلكات المادية وسمعتنا ومكانتنا مع اختلافي مع الفيلسوف اليوناني في نقطة السيطرة لأننا نستطيع إلى حد كبير السيطرة على مكانتنا وسمعتنا.
يريد الفيلسوف أن يخبرنا بالمختصر أن أي أمر ليس في وسعنا السيطرة عليه إذا كانت لديك الفكرة الصحيحة حول ما يقع على عاتقك، وما ليس كذلك، فلن تخضع للقوى أو للمعيقات أمامك، ولن تلوم أحدا أو تنتقده وأي أمر ستقوم به سيكون عن طيب خاطر وبإرادتك.
وأطلق على ذلك «وعد أبكتاتوس» إذا ما استوعبت الأمور الوقعة ضمن إطار سيطرتك وخارجه وتصرفت بناء على ذلك، فستصبح منيعا نفسيا ضد متغيرات الحياة.
التعاسة من وجهة نظري تكمن في أوقات الفراغ التي لا يعلم أصحابها ماذا هم صانعون بها، إذ تجعلهم يعكرون صفو حياة الآخرين أيضا، هم لا يعلمون ما يريدون ولا يسعون في معرفته.
لهؤلاء أقول: إن ألطف مساهمة تقوم بها للمجتمع هي أن تهتم بشؤونك، وتعرف تماما متى تتحدث، وماذا تقول، وأن تركز جل وقتك على أهدافك وسعادتك، حينها يسعني تهنئتك بأنك تستحق جائزة نوبل للسلام..
دامت مساحاتكم الخاصة بعيدا عن المتطفلين.



