خليل الفزيع

بين التنكر المعيب للماضي والسخرية المريرة من الحاضر

ليس هناك ما هو أسوأ على أي مجتمع من تأصيل مظاهر الانهزام بين أفراده لتسري في جسد ذلك المجتمع سريان السرطان في جسم الإنسان، وهي حالة لا تطمس هوية المجتمع من خلال إشاعة الضعف في كيانه، ولكنها أيضا تدفعه إلى الدوائر الهامشية بالنسبة للمجتمعات الأخرى الأكثر حرصا على مقاومة كل مظاهر الهزيمة، وهو الأمر الذي دفع أمما كانت على حافة الهاوية من الدمار، لتنتعش من جديد ولتصبح في مقدمة المجتمعات، ويكون لها مكانها ومكانتها بين المجتمعات الأخرى، وتأصيل الانهزام في أي مجتمع يبدأ بقطع صلتها بماضيها، ونسف كل أمجاد ذلك الماضي بكل إيجابياته التي استفادت منها أجيالها الماضية، وامتدت الاستفادة منها إلى الأمم الأخرى بفعل التلاقح الطبيعي لحضارات الأمم والشعوب، وتمتد هذه الحالة إلى التشكيك في حاضرها وقدرات أفرادها على تحمل المسؤولية، ومجابهة الأخطار الطارئة، وكذلك إشاعة الظواهر السلبية وإلصاق كل مظاهر الانهزام بهذا المجتمع أو ذاك، مع تجاهل كل المنجزات التي يحققها بعض أفراد هذا المجتمع في مجالات حيوية مختلفة وهامة، وهي إنجازات تقوم بدور فعال وإيجابي على مستوى العالم، وتسهم في تطور الحضارة وازدهارها. وبين التنكر المعيب للماضي والسخرية المريرة من الحاضر، تنمو أشواك التشكيك من خلال نشر مظاهر الضعف باعتبارها عيوبا قارة بين أفراد المجتمع لا يمكنهم التخلص منها، وغير بعيد عن ذلك ما ينشر ضد المجتمع من حالات سلبية ليست من طباعه الأصيلة، وليست من صفاته الثابتة، وليست من شيم أفراده، وهذه الحالات السلبية تصبح مع مرور الزمن صفات شبه دائمة، عندما تلتصق بالمجتمع، ويصعب تخلصه منها، والمؤسف أن الإعلام يساعد على تأصيلها، بكثرة ترديدها دون ذكر أخطارها، إذا فقد هذا الإعلام استراتيجية واضحة ومحددة الأهداف، تؤصل للقيم النبيلة ومبادئ الحق والخير والفضيلة، وتحارب كل مظاهر الانهزام، بكل ألوانه وأشكاله وبشتى الوسائل، والمؤسف أيضا أن هناك من يسهم في تأصيل مظاهر الانهزام من خلال نقل وإعادة نشر الحالات السلبية وبشكل يساعد على دمجها في بنية المجتمع لكثافة النشر لها دون التنبيه إلى أخطارها، وتوضيح سلبياتها والعمل على التحذير منها، وهذا ما نراه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأكثرها تأثيرا في هذا المجال، ما ينقل عبر الواتساب والإنستغرام والفيس بوك وتويتر، لدرجة يخيل للمتابع لها أن المجتمع قد فقد كل معاني الشهامة والكرامة وحسن الخلق، مع أن هذه الحالات المنقولة، إنما هي حالات فردية لا يمكن وصم المجتمع بكامله بما تحمله من مظاهر سلبية وصفات سيئة تنسب فقط لمن يرتكبها دون غيره. المؤكد أن كل المجتمعات فيها الصالح والطالح، لكن لا يمكن القبول أن يؤخذ مجتمع كامل بجريرة بعض أفراده، فإذا وجد الشر بين أفراد معينين في مجتمع ما، فهذا لا يعني أن هذا المجتمع بجملته فاسد؛ لأن أي شر يقابله بالضرورة خير، وإلا لما تم اكتشاف ذلك الشر، قد تتعدد ألوان هذه الشر، من فساد الذمم، وتفشي السرقات، وإشاعة الفاحشة، لكن ذلك يظل محصورا في أفراد دون غيرهم، يقابل ذلك كله أصحاب الضمائر الحية، الذين يسعون جاهدين لمحاربة الفساد، وإدانة السرقات، وشجب الفاحشة جملة وتفصيلا، ورفض كل ما يسيء للمجتمع، ويعرقل مسيرته التنموية، ويعطل دور أفراده في البناء التنموي الشامل، فكل مجتمع فيه الخير والشر، ولا مبرر للتركيز على الحالات السلبية في المجتمع، وإظهارها بشكل سلبي، والأجدى هو ذكرها مع التأكيد على خطورتها، وخطورة نتائجها، حتى لا تتأصل هذه المظاهر السلبية في المجتمع بأي شكل من الأشكال، على أن لا يكون ذلك سببا في تجاهل ما يحققه أفراد المجتمع من منجزات إيجابية وفي مختلف المجالات.