د. محمد حامد الغامدي

اجتياح التغيير.. هل كنّا مستعـدّين؟!

*تتمنّى (صالحة) أن تعيش.. وحولها الكثير من الذرية.. جواهر وحليّ حياتهم.. يطرّزون بهم دنيا قرية.. لا يعرفون غير أرضها وسمائها.. ذريتهم بوابات آمالهم.. نحو الستر والعافية.. البنون أمل حياتهم التي يكابدون.. الذرية بهجتهم الوحيدة.. لتخفيف تأثير ظروف الفاقة.. وحياة الرمق الأخير.. تُمنّي (صالحة) النفس بذرية تحملهم ويحملونها.. لا تعرف غريزة حب البقاء.. لكن يبقى رسم أشكال الملامح.. والقامات على أديم الأرض.. جزءا من مهام البشر.. بـ(جينات) يجهلون وجودها.. تتحكّم في مواصفات الذرية.. خلطة أجيال متعاقبة.. من الذكور والإناث.. يحملونها في أجسادهم جيلًا بعد جيل.. (جينات) سكنت جسم (صالحة).. تنتظر شريك التعريف الآخر الذي تجهل.. هذا هو التغيير الذي كانوا يعرفون.

*الصفات الجسدية عند أهل القرية.. صورة مرئية.. خارطة طريق الأجساد أمامهم.. تخفي وراءها حزم (الجينات) التي يجهلون.. شفرات تحمل الرسائل من جسم لآخر.. أرشيف يتجدّد ويتغيَّر مع الأجيال.. يمتد عبر الزمن إلى بدايات الحياة نفسها.. تنقل حتى أمراضهم دون علمهم.. وتظل الصفات الجسدية.. مع أهل قريتي شيئًا ملموسًا ومحسوسًا كنتيجة تشكل الصفات الجسدية محور اختيار ملامح الأبناء قبل ولادتهم.

هل ستظل تحت بطن رجل.. وفي ظل رجل.. وفي كنف رجل؟!.. كانوا يرون ذلك جدارًا منيعًا للحميّة متشبعين بأبعاده رجالًا ونساءً.. وهناك في حياتهم منابر للشهامة.. رغم جفاف العواطف.. المرأة في قريتي اليوم هي نفس المرأة بظروف أخرى.. رغم ميل شوكة الميزان لصالحها في أوقات شدّ الأحزمة.. ماذا تغيّر؟!.. مَن الذي تغيّر؟!.. رجال القرية.. أم نساؤها؟!

الأخوال سر ملامح الأبناء.. أم الحقائق التي يملكون.. على الكبير أن يقرّر.. كجزء من المحافظة على تلك التوليفة.. وعلى الصغير أن يحترم القرار.. هذا يعني بطء التغيير في مسيرة حياتهم.. بطء التغيير يجعل من الكبار حكماء.. أصحاب رأي نافذ ومسموع.. يجعلهم قيمة ومعيار حياة راسخًا.. يجب احترامه وتنفيذ توصياته.. تُمنّي (صالحة) نفسها بذرية تحمل أصالة القرية.. طموحاتها لا تخرج عن مجال السمعة الطيبة لأبنائها.. ذرية تحمل مشاعل تاريخ وملامح الحياة التي يعيشون.. بـ(سُمعة) وصيت فاخر دون حدود.. ذريّة تحمل إرثهم التراكمي.. وجدوا أنفسهم في مسار سيله الجارف.. أصبحوا ينابيعه الأخيرة دون خيار.. وبأجيالهم القادمة يرسمون ينابيع أخرى بنفس العطاء.. إرث يسند ويعزز مسيرة الحياة.. ولابد لهذا الإرث من رجال ونساء.. للصيانة والتغذية.. والحمل والنقل.. وبأمانة كاملة.. مع تحفيز الأجيال بعدهم. *يدركون بفعل المعايشة مع البيئة.. أنهم لم يرثوا الأرض مستأمنين عليها.. هذه إحدى أهم وظائف أهل القرية في زمن طفولتي الموءودة.. كان كاتبكم رجلًا صغيرًا.. يراقب ويتلقى الحشو الذهني دون اعتراض.. حشوًا يقوم بوظيفة رسم اتجاهاتي المستقبلية تجاه الأشياء.. هذا يعني أنهم يرسمون ويشكّلون مواقفي المسبقة كما يريدون.. يرون أن هذا حق الآباء على الأبناء.. وعلينا السمع والطاعة كأبناء.. يدركون أنهم مزروعون في هذه القرية منذ القدم.. لأداء مهمة البقاء.. لا يدركون أن عمر قريتهم يزيد على عشرين قرنًا.. كيف حصل هذا؟!.. الإجابة لا تستعصي.. الإجابة بالفطرة.. السر في كونهم مستأمنين على كل شيء في حياتهم.. يجب تسليم هذه الأشياء للأجيال من بعدهم.. وفي شكلها السليم المعافى.. وفقًا لمعايير يقدّسونها.. هكذا تتحدث مشاهد الأرض من حولهم.. حتى الأرض أصبحت شرف حياة.. شرف رجال ونساء.. الأرض ليست للبيع.. لكنها كنز يتوارثه الأجيال.*يملكون وظيفة الأرض.. أما الأرض نفسها فملك الماضي والحاضر والمستقبل.. كنتيجة.. لا يستطيعون التصرُّف إلا بوظيفتها.. ليس لهم بطاقة هوية.. الأرض هي الهوية.. ويجب أن تنتمي لها بشهادة جميع أفراد القرية.. هذا يعني انك موجود.. بكيان محترم.. لا يكفي أن تعيش على ثرى الأرض.. سؤالهم ماذا تقدّم لهذه الأرض في مسيرة حياتك؟!.. الإجابة تحدّد معيار (المرجلة).. نعم.. الأرض ليست للبيع.. وهل يبيع الإنسان شرفه؟!.. جعلوها وقفًا دائمًا لتعزيز الحياة.. وللأرض رفات يمكن قراءته.. يمكن حمله.. يمكن التفاخر والتغني بتأثيره.. للرجال حاجة في هذا الرفات.. ولهم شأن في استمراره.. حاجاتهم لا تنتهي في أعمارهم المحدودة.. ولكنها بيارق وجود.. تحملها كل الأجيال.. حتى النساء في القرية.. جزء من هذا الرفات.. وكذلك (صالحة).*هي المرأة في قريتي.. كقانون الأرض الذي ورثته.. وكنت طفلًا يرصد إحداثيات الحياة.. واليوم أعطي لها التفسيرات.. مضت مع الطفولة إلى غير رجعة.. مضت بفعل رياح تغيير القرية.. هذه هي المرأة.. ما زالت.. ولكن.. هل ستظل تحت بطن رجل.. وفي ظل رجل.. وفي كنف رجل؟!.. كانوا يرون ذلك جدارًا منيعًا للحميّة متشبعين بأبعاده رجالًا ونساءً.. وهناك في حياتهم منابر للشهامة.. رغم جفاف العواطف.. المرأة في قريتي اليوم هي نفس المرأة بظروف أخرى.. رغم ميل شوكة الميزان لصالحها في أوقات شدّ الأحزمة.. ماذا تغيّر؟!.. مَن الذي تغيّر؟!.. رجال القرية.. أم نساؤها.. أم القرية نفسها؟!.. أشياء جعلت الجميع في مهب التغيير.