ذكرى إبراهيم الشبيلي


في الأيام الماضية، قرأت مقالا بأحد المواقع العربية طرح تساؤلًا جوهريًا يمس صلب مهنتنا: «هل أصبح الصحفي الحقيقي عملة نادرة؟». لقد وضع الكاتب يده على جرح غائر في جسد المهنة، وأصاب كبد الحقيقة حين استشعر خطر ذوبان «الصحافة الرصينة» في قوالب النقل الرقمي العابر، مؤكدا أن الممارسة الميدانية هي المختبر الحقيقي الذي يُصهر فيه الصحفي وتُصقل فيه أدواته الاستقصائية والحوارية.
واتفاقًا مع هذا الطرح الثري، أجد نفسي مدفوعةً لإضافة زاوية جوهرية يفرضها واقع كليات الإعلام وسوق العمل اليوم، وهي ضرورة الفصل المنهجي بين «المسارات الإعلامية». فالتحدي الذي يواجهنا ليس مجرد سطوة التقنية، بل في «خلط المفاهيم» الذي جعل من يمتلك مهارات التصوير والمونتاج يعتقد أنه قطع نصف الطريق نحو «الصحافة».
الإعلام اليوم بحر من التخصصات؛ فالصحافة في جوهرها هي «فكر وتحقيق»، وعملية ذهنية معقدة تبحث في ما وراء الخبر، بينما يظل التصوير والمونتاج «أدوات تقنية» مكملة لا بديلة.
وما نشهده اليوم من دمج قسري لتخصصات متباينة كالعلاقات العامة والإذاعة والتحرير الصحفي في قالب تقني واحد «الجوال» يهدد بتمييع الفوارق المهنية بينها، ويضعف «العمق التخصصي» الذي تحتاجه كل مؤسسة إعلامية ناضجة.
إن «الصحفي الشامل» الذي نادت به التحولات الرقمية لا يعني أبدًا إلغاء التخصص، بل يعني تطوير الأدوات مع الحفاظ على الهوية المهنية. فإذا استمر التعامل مع الإعلام بوصفه مجرد «مهارة تقنية» لا تتطلب سوى عدسة وسرعة نشر، فإننا بذلك نختزل دورنا في نقل المشهد فحسب، لا في صناعة المحتوى الرصين.
ختامًا، الصحافة كانت وستظل رافدًا أساسيًا للرأي العام بفضل قدرتها على التحليل والاستبصار، وهي أدوار لا تمنحها الكاميرا وحدها، بل يصوغها العقل المتخصص المؤمن بأن الخبر أمانة والكلمة مسؤولية تسبق هوس «الترند».
pbthdw@gmail.com