إن المتأمل لمسيرة الدوريات الثقافية العربية بداية من منتصف القرن التاسع عشر وحتي الآن يجد أنها تراوحت بين الظهور والاختفاء والانزواء والشيوع والانتشار وفقا لطبيعة المرحلة التي تمر بها. ففي مراحل ازدياد الوعي الثقافي تزداد هذه الدوريات والعكس صحيح ويرجع هذا أيضا لعوامل سياسية ثقافية وحضارية واقتصادية وغيرها. وفيما قبل النصف الثاني من القرن العشرين كانت هذه الدوريات تتناسب تناسبا طرديا مع الحركات الوطنية التحررية والوعي الفكري، فكلما ازداد الوعي الفكري ونشطت الحركات الوطنية التحررية ازدادت تبعا لذلك الدوريات الثقافية. وكلما خمدت هذه الحركات الوطنية أو أخمدت عنوة يضعف الوعي الثقافي وتنزوي الدوريات الثقافية. ولا يستطيع أحد أن ينسى الدور الذي كانت تقوم به الدوريات الثقافية العربية التي كان لها الفضل في تشكيل وعي ثقافي عربي بناء ساهم هذا الوعي في دخول العالم العربي عصر النهضة ومن ثم تفاعله مع الثقافة العالمية علي أن العقود الأخيرة لاسيما العقدين الأخيرين نشهد تراجعا كبيرا في هذه الدوريات الثقافية الجادة وانتشارا وشيوعا لدوريات ثقافية تخاطب الشكل الخارجي أكثر مما تخاطب الجوهر.
وجدنا في العقود الأخيرة دوريات تعني بالشكل الجمالي للدورية أو المجلة وتعمد إلي تسطيح الأفكار والموضوعات والقضايا. لا نغفل الشكل الجمالي ولكنه لا بد أن يتسق مع المادة الثقافية المنشورة وقد يقول قائل إن انتشار الوسائل الإعلامية المتعددة لاسيما الفضائيات والإذاعات والصحافة الإلكترونية والبرامج الإلكترونية أدي إلي تقليص هذه الدوريات.
نقول هذه حقيقة لكن الواقع الثقافي كل لا يتجزأ، فلو كان الواقع يعني بالثقافة الفكرية والمتنوعة الجادة لانعكس ذلك علي شتي مصادر المعرفة الثقافية ومنها الدوريات الثقافية فضلا عن أن الدوريات الثقافية الجادة لا تتعارض أو تتنافي مع البرامج الثقافية التليفزيونية أو الإلكترونية الجادة، فلكل منها طبيعة زمانية ومكانية خاصة لا تتناسب إلا مع وسيلة من هذه الوسائل الثقافية، فالتلفزيون لانستطيع الانتقال به من موضع لآخر ومن مكان لآخر وآينما حللنا، ولكن الدورية الثقافية من الممكن تحقيق ذلك. ونحن لسنا بصدد مناقشة الكتاب المطبوع أو الإلكتروني ولكننا بصدد معالجة الآليات التي أدت إلى انزواء الدوريات الثقافية الجادة في العالم العربي.
وإذا كنا نشكو من هشاشة الثقافة والفكر في عالمنا العربي لاسيما في أوساط المثقفين والشباب، فعلينا أن نبحث عن المصادر الثقافية التي يستقون منها معارفهم الثقافية المتنوعة.. ستكون هي موضع الخلل.
binthekair@gmail.com