ذكرى إبراهيم الشبيلي


ليست كل رسالة تُقال، ولا كل تفاعل يُعد تواصلاً. هناك فرق كبير بين أن نتحدث لأننا نُجبر، وبين أن نتحدث لأننا نعرف ماذا نقول، ولمن، ومتى، ولماذا. وهنا يبدأ الفرق الجوهري بين الاتصال العادي، والاتصال الاستراتيجي.
الاتصال الاستراتيجي من اسمه هو ليس ضجيجًا ولا تكرارًا. هو تفكير محسوب له بطريقة دقيقة، هو تخطيط ، يمضي في اتجاهٍ مدروس. هو ببساطة أن تتحرك الرسائل كما تتحرك النية: نحو أثر واضح، وهدف مرسوم، وقيمة لا تُنسى.
أحيانًا نشاهد مؤسسات تملأ الفضاء برسائل متكررة، لكنها بلا روح، بلا دلالة. لا تخاطب العقل، ولا تلامس الشعور. وأحيانًا أخرى، تصمت مؤسسة واحدة، لكنها حين تتكلم، تُحدث الفرق. لأنها لا تقول إلا ما يجب، ولا تخرج إلا في التوقيت الذي يُحدث صدى. وذلك هو جوهر الاتصال الاستراتيجي: الاقتصاد في الكلام، والثراء في الأثر.
في تجربتي الإعلامية، لطالما شدّني سؤال: ما الذي يجعل رسالة ما تُحدث ضجيجًا، بينما أخرى تمرّ بهدوء؟ لم يكن الجواب أبدًا في حجم الوسيلة، ولا في عدد الكلمات، بل في وعي الرسالة بذاتها. في قدرتها على أن تُعبر لا فقط عن المؤسسة، بل عن نيتها، وموقفها، واحترامها لعقل المتلقي.
الاتصال الاستراتيجي هو فن قراءة المشهد قبل المشاركة فيه. أن تُمسك بالمعلومة، وتعيد تشكيلها بما يخدم الصورة الكبرى، لا اللحظة فقط. هو أن تزرع في كل رسالة جزءًا من هوية المؤسسة، حتى يخلق طابع ذهني قوي عند الفئات المستهدفة دون أن تقول ذلك صراحة. أن تبني علاقة مع الجمهور لا على أساس الحاجة، بل على أساس الثقة.
وهنا تتقاطع الفكرة مع الأخلاق. لأن كل اتصال لا يُبنى على احترام الشفافية، سيبقى ناقصًا، حتى لو بدا جميلًا في ظاهره. فالاتصال الاستراتيجي ليس تجميلًا، بل تجسيدًا للصدق. والناس، بطبعهم، يعرفون الفرق.
ربما يبدو هذا النوع من الاتصال «هادئًا»، لكنه في الحقيقة هو الأعمق تأثيرًا. لأنه لا يُخاطب فقط ما نراه، بل ما نعتقده ونؤمن به. هو الذي يُحدث التغيير من الداخل، قبل أن ينعكس في الخارج. هو الذي يجعل الجمهور لا يسمع فقط، بل يُصغي، ثم يُفكر، ثم يتحرك، وهنا تكمن الإحترافية.
الاتصال الاستراتيجي من أهم التخصصات اليوم، لأنه لا يجعل المؤسسة حاضرة فقط، بل يجعلها مفهومة، محترمة، ومؤثرة.
وفي النهاية، يهمّني أن أقول: ليست القوة في أن تتحدث كثيرًا، بل في أن تعرف تمامًا متى تتحدث، ولماذا. لأن الصوت، في عالم الاتصال، ليس في علوه.. بل في اتجاهه.
@pbthdw