د. أحمد الألمعي

من أقسى ما يمر به المبتعثون والمهاجرون في دول الغرب، التأقلم مع البيئة الجديدة، وما يبذلونه من جهود للمحافظة على أسرهم وقيمهم الإسلامية في وجود ثقافة وقوانين لا تدعم التفكير المحافظ والقيم الأسرية بل وتحارب القيم الإسلامية، الحجاب والممارسات الإسلامية كما نرى، لأنها في نظرهم تشكل تهديدا لقيمهم. ونرى في بعض الأحيان دولا تحارب قيم مجتمعاتنا وتدعم بشكل فاضح الممارسات التي تدمر الأسرة بدعوى الديمقراطية وحقوق الإنسان، مثلما رأينا من دعم بعض الدول لقيم المثلية ومحاولة فرضها على الدول الإسلامية. وكان للمملكه وكثير من الدول الإسلامية مواقف مشرفة ورافضة لهذه الأفكار في الأمم المتحدة وغيرها من المحافل الدولية.

قام مهاجر عربي في أمريكا يعمل سائق تاكسي بقتل ابنتيه الشابتين عندما اكتشف أن الفتاتين تواعدان شابين أمريكيين غير مسلمين، فانتقم لشرفه بقتلهما بمسدس في سيارة الأجرة التي كان يعمل عليها. حكم عليه الأسبوع الماضي في ولاية تكساس بالسجن المؤبد، ويعتبر ذلك حكما مخففا في ولاية تحكم بالإعدام في مثل هذه القضايا.

وأعادت تلك القصة إلى الصورة الصعوبات التي يمر بها المغتربون المسلمون في دول الغرب، فهم يواجهون صعوبات في التأقلم مع الظروف الجديدة سواء كان كلا الأبوين مسلمين أو قد تكون الأم في أحيان كثيرة من جنسية الدولة التي تقيم فيها الأسرة. ويختلف أسلوب تربية الأطفال اختلافا جوهريا أو بسيطا بناء على ما ذكرت وعلى مدة الإقامة وأسلوب الأبوين في التربية. في النهاية يجب أن يتأقلم الأبوان والأبناء على أسلوب الحياة في الغرب بطريقة متوازنة تضمن سلاسة الحياة والتعايش مع الآخرين، فالمهاجر المسلم لا يستطيع العيش في بيئة مغلقة ومنفصلة عمن حوله. وهنا تبرز قدرة الوالدين على التأقلم والأسلوب الذكي في تربية الأبناء والبنات، فمن المستحيل إجبارهم على ممارسات تعتبر قاسية في الغرب وأسلوب الضرب في التربية قد يؤدي إلى تدخل منظمة حماية الطفل ونزع الأطفال من الأسرة ووضعهم في أسرة أخرى غير مسلمة.

كما أن الأبناء والبنات سيلاحظون اختلافا كبيرا في عادات وممارسات الأسرة الإسلامية وثقافة زملائهم ومدرسيهم في مدارس مختلطه، ويميل الأطفال والمراهقون إلى اتباع سلوكيات وأفكار أقرانهم في المدرسة مثل اللبس والعلاقات الاجتماعية، لأن ذلك يكسبهم الصداقات ويجنبهم أن يكونوا منبوذين ويجنبهم الاضطهاد. ويجب ألا نقلل من صعوبة تلك الصورة بالنسبة للأبناء والبنات وأهمية إيجاد التوازن في حياتهم فتلك مهمة ليست سهلة وهم يحتاجون إلى الدعم والإرشاد من الأبوين اللذين قد يفتقدان للتعليم والمهارات المطلوبة والنتيجة هي ما رأيناه في أسرة المهاجر سائق التاكسي ياسر عبدالفتاح وأدى ذلك إلى تدمير الأسرة كاملة. غالبية الأسر المقيمة أو المهاجرة للغرب لديهم القدرة على التأقلم ورسم صورة ناجحة لهم ولأبنائهم باستخدام المعطيات الواقعية للبيئة الجديدة. هناك شريحة من المغتربين ممن يواجهون صعوبات قاسية بسبب انشغالهم عن الأسرة لتوفير سبل الحياة أو قد لا يتأقلمون مع المجتمع الجديد بسبب التفكير المتشدد والأسلوب غير الواقعي وغير الذكي في التعامل مع الأبناء وعدم إدراك أن الأبناء والبنات يواجهون صعوبات جمة في التأقلم مع المجتمع الجديد بحكم اختلاف اللون والدين والثقافة ويحتاجون إلى الكثير من الدعم والتوجيه، وقبل كل ذلك هناك أهمية للتهيئة النفسية واختيار مكان الإقامة والمدارس والمجتمع في الدولة الغربية وقد لا يكون ذلك سهلا في بعض الأحيان بسبب الوضع الاقتصادي الصعب للأسرة. أوجه مقالي هذا للجميع من مبتعثين ومهاجرين مقبلين على هذه الخطوة الكبيرة وتذكيرهم بأهمية الإعداد مسبقا ولفت انتباههم لأهمية الاختيارات والقرارات الذمية حتى لا تنتهي حياة الأسرة بكارثة.

@almaiahmad2