د. محمد حامد الغامدي

- مع كل حديث عن التجاوزات الخطيرة على المياه الجوفية يظهر مَن يُبدي عدم التصديق بخطورة استنزافها على الحاضر والمستقبل. فهل يدافع هؤلاء عن مصالحهم أم أنه الجهل البغيض؟ ينادون باستمرار التوسع في الزراعة بشكل يوحي بأن الحديث عن المياه يجب ألا يكون. هل جعلوا الحديث عن حقائق الماء العلمية يتعارض مع فهمهم الديني القائم على سلاحهم الذي يشهرون بأنهم متوكلون على الله؟ نحن جميعًا متوكلون على الله سبحانه. لكن لماذا يغيّبون عنوة مبدأ الأخذ بالأسباب، استنادًا إلى قول الرسول «صلى الله عليه وسلم»: (اعقلها وتوكل)؟

- هل يعطينا التوكل على الله دون الأخذ بالأسباب حق الاستنزاف الجائر للمياه الجوفية؟ لماذا يغيِّبون الآية الكريمة: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} {البقرة:195}. الآية في مفهومها تعني تجنب فعل ما يضر. والضرر هنا هو العطش الذي يسبب هلاك النفس والبيئة، في ظل ندرة مواردنا المائية الطبيعية. لماذا استنزافها بشكل جائر على زراعات عشوائية جائرة وعمياء؟

- على ماذا يدل هذا الأمر؟ لماذا يحدث؟ هل يدل على تجهيل متعمّد بأهمية المياه الجوفية؟ لماذا يغيب دور الوزارة المعنية؟ لماذا الصمت؟ أين برامج التوعية بأهميتها وترشيدها وتوضيح خطورة استنزافها على زراعات عشوائية وترفيهية؟ لماذا لا تكون هناك خارطة طريق واضحة للجميع لمنع عطش المستقبل؟

- إنه في ظل استغلال المياه الجوفية - ولا أقول استثمارها - بجانب الرغبة في تحقيق جمع الأموال عن طريق الزراعة - ولا أقول الربح - انخفضت مناسيب المياه الجوفية. الأحساء ومناطق أخرى خير مثال.

- هل ما زال الوضع الزراعي العشوائي قائمًا بعد كل سنوات الطفرة بشواهدها المؤلمة؟ إليكم -كمثال- شواهد وعبر ودروس ارتفاع استهلاك الأعلاف من المياه الجوفية الإستراتيجية، بشكل جعلنا في حيرة أمام أنفسنا. أليس هذا مؤشرًا يحمل دلالات سلبية تؤكد غياب الاهتمام والحماية؟ أي بشر نحن عندما نسمح بارتفاع استنزاف المياه الجوفية من (8) مليارات متر مكعب عام 1994 إلى (17) مليار متر مكعب خلال كل سنة تالية، وذلك لري مساحات التوسع في الأعلاف بعد انحسار زراعة القمح والشعير حد الاستيراد من الخارج؟ المصيبة أن هذا يحدث بجانب تحلية مياه البحر المكلفة بأرقامها الفلكية السنوية؟

- ماذا يعني كل ذلك؟ لماذا لا يتم تفعيل دروس وعبر الطفرة الزراعية، وتأثيرها السلبي على مناسيب المياه الجوفية وجفافها؟ المؤشرات تؤكد أن الدرس لم يتم استيعابه. هل توقف الاندفاع الزراعي العشوائي؟ هل وضعنا خارطة زراعية لكل منطقة إدارية تراعي وضع المياه الجوفية وتحدد مدى توافرها واستدامتها؟

- ما زلنا نمارس زراعات عشوائية مندفعة ليست ضرورية -وأيضًا- ليست إستراتيجية على حساب مياه الأجيال القادمة. وهذا التوسع -كمثال- في زراعة الأشجار المثمرة، منها الزيتون والفواكه، خاصة النخل الذي يفوق استنزافه من المياه الجوفية ما يزيد على (5) مليارات سنويًا، علمًا بأن نصف إنتاجه يفيض عن الحاجة. بل ويجري العمل على تصدير التمر في خطوة تتعارض مع الأنظمة التي سنَّتها الوزارة المعنية نفسها لصالح الماء.

- السؤال: متى تتوقف التناقضات؟ متى تصبح المياه الجوفية خطًا أحمر في حياتنا؟ متى تكون هذه المياه وطنًا نعتلي بشأنه ومستقبله وتنميته؟

- نواجه مع التوسع الزراعي العشوائي معضلة التناقضات بكل صنوفها. ونجد أن الصمت المطبق سيد الموقف من الوزارة المسؤولة. وزارة تصرف الملايين سنويًا لزيادة الضغط على استنزاف المياه الجوفية. خير مثال مشروعها القائم حاليًا لإعادة تأهيل المدرجات الزراعية في مناطق الجنوب الغربي.

- فات هذا المشروع أن هدف المدرجات في المقام الأول -وعبر تاريخها الممتد لقرون- لم يكن زراعيًا. كان وجودها بهدف مائي بحت. ولأن هذا يتعارض مع هدف هذا المشروع أصبح وكأنه مشروع لتجفيف المياه الجوفية. هذا ما يجري على أرض الواقع. ويستمر الحديث بعنوان آخر.

@DrAlghamdiMH