عبدالعزيز الذكير

صاحب الحظ مَنْ عثر على نصوص قديمة كانت تجري بين ساكني نجد في عهد مضى، وبين مَنْ هاجر في طلب الرزق من آبائهم وإخوانه إلى أطراف الخليج والعراق والشام والهند.

يحتفظ بعض الحريصين بمراسلات أصلية جرت بين تجار من أهل نجد كانوا يقيمون في العراق والخليج والهند والشام، وبين أهاليهم المقيمين في مدن وقرى نجد..

تلك الرسائل مدرار خير. فقد كانوا يقولون لأهلهم إن الأمور والحمد لله حسنة، «ولا تخلون على أنفسكم قاصر» بكل الذي تحتاجونه «خذوا من فلان» وحولوا علينا.

ومن بين تلك الرسائل رسالة تقول: ولا تتعبوا أنفسكم في «طحن العيش» «وأجّروا» عليه (استأجروا مَنْ يفعل ذلك وكذلك «غسل الهدوم» - يعني عملية غسيل الملابس. وكذلك «الكنس» - أي تنظيف الدار.

يدل هذا على صدق مَنْ اغتربوا عن ديارهم للكد والعمل لإسعاد أُسرهم، ومَنْ لاذ بأسرهم وأيضا فتح باب رزق للطحانات والغسالات. هذا كله قبل وجود ميكنة العيش (حبوب القمح).

انتهي مما جاء في تلك المراسلات لأصل إلى أن العمل اليومي كان ممارسا لنساء يأتين مع الصباح، ويتناولن الشاي مع الأسرة ويمرحن، ويطرحن ما لديهن من أخبار مرحة، ثم يقمن بتأدية ما كان يُعهد به إليهن من أعمال شريفة، وبالأخص العضلية كـ «طحن» أو كنس أو غسيل. وفي المساء يذهبن إلى بيوتهن. بعضهن بأجر يومي أو شهري، ولا يخلو الأمر من عشاء منزلي طيّب ونظيف تأخذه العاملة معها إلى المنزل أو تعطيه لمَنْ يستحق من الجوار. ولها ولأهل المنزل في ذلك أجر عند الله.

لم تكن المدن والقرى والأهالي والجوار والعرف والتقاليد ترى في تلك الممارسات المشروعة في طلب الرزق نقيصة ولا مسبّة، كل الناس يعترفون بها، ويمتدحون فاعلها، وكلها في حدود الشرع والشرف والكرامة. ولا يذكر أحد أن سوءاً نتج من تلك الأعمال الشريفة، التي كانت تقي الإنسان مذلة السؤال..

وقد أتلقّى لوما على دعوتي ذوات الحاجة في تبني العمل الجزئي كأن تأتي المرأة في الصباح لتقوم بالخدمة بالأجر اليومي أو كما يسمونه في الغرب Day Help

تأتي في الصباح، لتعد الطبخ مثلا، أو تعمل ما يُطلب منها، بعقد يحكمه قانون، ثم تذهب إلى منزلها في الوقت المتفق عليه، وتأتي في اليوم التالي.

أقول لمَنْ سيعاتبني: أليست الطحانات والغسالات والمساعدات المنزلية في الماضي كنّ سعوديات أباً عن جد؟!

قال لي أحد معارفي ممن درسوا في الغرب: إن العاملة التي تأتي ساعتين في اليوم لتنظيف وترتيب شقته تملك سيارة من طراز أحدث من السيارة، التي يملكها.

قد نجد في التجربة جدوى ورخصاً وأماناً وبرّاً بالأرض والوطن.

@A_Althukair