د. محمد حامد الغامدي

* إن البحث العلمي ركيزة أساسية في تقدم الأمم، وتعزيز الحضارات. وهنا أتحدث عن جانب اختصاص بحوث تشخيص المشاكل وتحديد الاحتياجات. بغيابها مع علمائها تتراكم المشاكل؛ وتتوالد؛ وتتشعب؛ وبنتائجها تتعمّق دروب التخلف. الانطباعات الشخصية ليست معيارا علميا لتشخيصها. إن تشخيص المشاكل ضرورة خاضعة لمعايير علمية دقيقة، وذلك لتحديدها؛ ولمعرفة مدى عمقها وتأثيرها؛ وفي النّهاية تحديد احتياجات حلّها.

* في غياب البحوث العلمية المتخصصة تصبح المشاكل آفة؛ ومرضا خطيرا عضالا. إن معالجة نتائج المشكلة لا تنهي وجودها، وتظل تتوالد بمشاكل جديدة. لينطبق عليها قول العرب: كل ما عدلت واحد.. مال الثاني.

* هناك مشاكل في كل شيء في حياتنا. منها المشاكل الاجتماعية؛ والإدارية؛ والصناعية؛ والمالية؛ والزراعية؛ والمائية؛ والتقنية. هكذا في كل مجال وتخصص. إن جميع أنواع المشاكل تحتاج إلى هذه النوعية من البحوث العلمية المهمة. فالبعض يعتقد أن تشخيصها وتحديد احتياجاتها أمر سهل لأي شخص. هذا الاعتقاد يعني التخلف بعينه؛ ويعني قصور أداء العقل؛ ويعني استبداد وسيادة الجهل. هنا يأتي البحث العلمي كحل سليم، لتحرير العقل من قبضتها.

* تزداد المشاكل مع أي حراك تنموي، وذلك بما يحمل من تغيرات؛ وما يحدثه من إنجازات. فهناك وجهان للإنجازات البشرية: وجه يحمل التحديات؛ وآخر يحمل المميزات. ويأتي دور البحث العلمي لتقزيم التحديات والمشاكل؛ ولتعظيم المميزات التي تمثل التطلعات.

* يلاحظ في العالم الثالث أن معظم المشاريع التنموية تنهار بعد فترة، لأسباب عديدة. في جزء من فشلها، غياب البحث العلمي عن هذه المشاريع. فتعتقد الإدارة أنها قادرة على تشخيص مشاكل المشروع؛ وقادرة على تحديد احتياجاته دون الاحتكام إلى المعايير العلمية، فتتآكل هذه المشاريع، ولا تحقق أهدافها، ويكون مصيرها الفشل في نهاية المطاف. إن تحديد احتياجاتها وتشخيص مشاكلها وتحدياتها، وبشكل علمي، هو الخطوة الأولى لضمان استدامتها أيا كان نوعها.

* الحلول دوما تأتي بتفعيل ما يوصي به البحث العلمي لأصحاب تخصص يشخصون ويوصون، وعند هذا الحد تتوقف مهمتهم. لتبدأ التخصصات الأخرى في معالجة ما تم تحديده لهم من تشخيص. فالطبيب العام، على سبيل المثال، يشخص نوع المرض ثم يحيله إلى القسم المختص، وهو بدوره يحيله إلى صاحب التخصص الدقيق لوضع خطة العلاج. هذا ما يجب فعله مع كل المشاريع التنموية.

* أستغرب أن يوصي البعض من ميادين علمية بعيدة عن علم تخصص تشخيص المشاكل وتحديد الاحتياجات، بحلول هي في واقع الأمر اقتراحات واجتهادات. يقومون بهذا في تغييب المختصين، أو يقومون هم ببحوث خارج تخصصهم. هم بذلك يديرون الأمر وفق انطباعات واستنتاجات غير خاضعة للمعايير العلمية، وهذا استغلال سيئ لعلم هذا البعض. إنها تجاوزات سلبية.

* من الضروري تشخيص المشاكل وتحديد الاحتياجات بشكل علمي، ودوري في أي تنمية كانت؛ وأن يقوم بها أهل علم هذا المجال؛ وألّا يُترك الأمر لغير أهله مهما حمل من شهادة وعلم، فلكل تخصص معايير علمية محددة، تتطلب التدريب والممارسة للوصول إلى مرحلة الإتقان. تقول العرب: اعط الخبّاز خبزه ولو أكل نصفه.

* أنوّه هنا، على سبيل المثال، إلى ضرورة تشخيص مشاكل المجتمع، وتحديد احتياجاته. فمجتمعنا يمر بتغيرات، تحتاج لتشخيص ورصد الإيجابيات لتعظيمها، والسلبيات لتقزيمها والحد من تفشي تأثيراتها. وهناك أيضا مشاكل وتحديات التعليم واحتياجاته، يجب ألّا تترك للاجتهاد؛ ولغير المختص مهما علت شهادته ومنصبه. من ناحيتي أرى غياب هذا التخصص في القطاع الذي يهمني، وهو الزراعي والمائي والبيئي، حيث تسود الاجتهادات في غياب البحوث العلمية، وعلماء تشخيص المشاكل وتحديد الاحتياجات.

* تغييب العلم ومعايير تطبيقاته المتخصصة آفة تقود إلى التخلف المستدام. إن تقديم الأهم قبل المهم مؤشر حضاري. البحث العلمي هو الذي يحدد الأهم.

@DrAlghamdiMH