د. محمد حامد الغامدي

* حتى عام (1971).. عشت ظروف.. حاجة الريف الضرورية.. إلى التنمية في ذلك الوقت.. وأثناء دراستي.. عن خصائص المجتمع الريفي وأهميته.. عرفت.. أن الريف.. مصدر الأيدي العاملة.. فهل كان هذا سبب تفريغه من أهله؟ لكن وبفخر.. وقفت على النشيد المُشرّف.. للعلم وأبحاثه.. بأن الريف كنز القيم الحميدة.. والأخلاق الفاضلة.. منجم النشامى.. وأهل الشيمة.. والمروءة. فهل تبعثرت أوراقه؟

* تفاعلت مع المقررات الدراسية الريفية، لأنني تربيت وعشت جزءا من حياتي، في ريف عريق، امتد لعشرات القرون، بقوانين صارمة غير مكتوبة، متشبعة بالانضباط والإتقان، ما زالت تسكن خلايا دمي. وقد جعل لكل فرد، من ذكر وأنثى، وظيفة بمهارات تتعدد مهامها، وترتقي مسئولياتها مع تقدم العمر. تشبعت بحياة الريف، قبل أن أرحل مع الراحلين، في ظل غياب التنمية الريفية، بحثا عن كرم وسخاء الحياة الأفضل. حياة تضمن علو الشأن والكرامة، والتعليم الجيد، والمنزل المتطور.

* عشت السنوات الخمس الأولى في الريف. ثم غادرته بعمر السادسة، لأعود بشهادة الأول ابتدائي. ثم عشت أربع سنوات في ربوعه. بعدها غادرته ثانية، حاملا شهادة السنة الخامسة. ثم رجعت إليه بعد أربع سنوات، حاملا الشهادة المتوسطة عام (1968)، لأعيش ثلاث سنوات، هي سنين دراسة المرحلة الثانوية. كانت الأهم. استوعبت خلالها حياة الريف. تشبع عقلي بقيمه، و(بروتوكولاته)، ومكارم أخلاقه. فأصبحت متعطشا لخدمته علميا.

* غادرت الريف بنهاية عام (1971). ثم واصلت دراستي في كلية الزراعة، بهدف أن أكون أول مهندس زراعي في القرية، لخدمة موروثها الزراعي والمائي، وخدمة أهلها، وقد تشبعت بمعاناتهم. لكن أخذتني الدراسة بعيدا. لم أعلم في حينه، أنها سفرة خروج بدون عودة.

* بعد غياب دام ربع قرن، وبعد حصولي على الدكتوراة، رجعت في زيارة إلى الريف الذي كنت أعرف، فكانت صدمة العمر.. سأحملها حتى الممات. لم أجد الريف الذي أعرف وأهله. وجدته ميتا. بقي أماكن بملامح وعلامات، أشبه بالنصب المرفوعة، على المقابر لتعريفها. تحول الريف إلى مقبرة عظيمة لكل شيء كنت أعرف. تحول التراث فجأة، إلى آثار وتاريخ، يصعب قراءتها وتفسير مؤشراتها.

* إن مجموع سنين عمري في الريف، لا تزيد عن (12) عاما، لكنها منحتني خلاصة تجارب راشدة ورشيدة، لأزمنة وأجيال. كتبت عن هذا الوضع، وناديت بإعادة توطين الزراعة كمهنة. لكن مع فاشق كل يوم، يأخذني التأمل والتفكر والتدبر إلى قضايا ذات أبعاد.

* أعيش عصفا فكريا، فأتذكر ماضي الريف، فتتعزز بنفسي التساؤلات، فيكون الحماس، لطرح الأفكار العلمية ذات العلاقة والتخصص. إن الأفكار خلاصة عطاء العلماء. فواصلت كتابة أفكاري العلمية عن الماء والزراعة والبيئة. أصبحت وظيفتي توليد الأفكار، فأيقنت مبكرا أن الماء هو الأهم لتشكيل مستقبل الريف، فخصصت كتابين يحملان مرافعات وأفكارا للإنقاذ من العطش.

* إن جميع كتبي الستة عن المياه، تحمل أفكارا علمية، ومرافعات جادة تحذر وتنذر، وترسم لراسمي السياسة الزراعية والمائية والبيئية، طريق مستقبل الأمن الغذائي، الذي يحققه الريف. كتبي أشبه بكنز يجب البحث والتنقيب في محتواه، مادته أفكار لا يمكن تبويبها، كبقية الكتب الأخرى. هي منجم إستراتيجي. أقول هذا للتعريف بتلك الكتب.

* إن العلماء بدون طرح أفكار لمواجهة التحديات، أشبه بالشجر غير المثمر، لا يقتنيه أحد، إلّا بهدف الزينة، سرعان ما ينتهي. كذلك إخضاع العمل للاجتهادات، وللنظريات، داخل مكاتب مغلقة، مهمتها القص واللصق، فتصبح ثرثرة علمية.. من مجلدات.. لتجارب بعيدة.. عن واقع الريف السعودي.

* هذا المقال مقدمة.. لنقاش قادم.. يحرك وضع الريف المنسي.. إن العمل دون وعي.. بواقع الريف.. كمن يخدع نفسه.. ويبعثر جهده.. ويبذّر ماله.. ويضيع وقته. ويستمر الحديث بعنوان آخر.

@DrAlghamdiMH