خلود عجب

في ظل العصر التقني السريع، وما يشهده من قفزات في عالم الأجهزة والتطبيقات، أصبح من السهل أن تقرأ المحتوى، فإن لم تكن تدرك هذا السهل فمن الأسهل أن تستمع، توفرت الوسائل والتسهيلات المخيفة، تلك التي جعلت من الجميع إما حاملاً وإما محمولاً، إن لم تكن حامل الهوية «كمشهور» فأنت «المحمول» داخل تطبيق المشهور، والأخير له أن يختار المحتوى، له أن يوجهك للسفر، أن يحفزك للشراء، أن يشعرك بالجوع، له أن يغير رأيك حتى، والأعجب من كل هذا هو أننا نتحول معه باتجاه السلب لا الإيجاب.

تعددت الحسابات لهؤلاء المشاهير، وفاضت بها هذه البرامج ولم يعد في المتسع أن تميز أحدهم عن الآخر، لا نملك إلا نجمة تتعلق حساباتهم لا تدلي بتقييم أيهم المتوسط من المقبول من الضعيف والضعيف جداً، البضاعة واحدة، لكننا تضررنا واستفاد، ثم خرج يفتي كيف لنا أن ندخر الأموال، الصورة هنا هي الصورة هناك، والسؤال العالق في الحناجر: ما المحتوى؟ وما الفائدة؟ إلا تصدر الأوسمة في البرامج عن خلافاتهم واختلافاتهم وحالاتهم وأحوالهم، ماذا صنع المشهور لنا إلا الإفلاس المادي والمعنوي، وأضف لقائمتي تلك الهدم لمنازل الكثير من العوائل بسبب حياة المشاهير.

نحن لا نحمل النقد على العموم، لكننا لا نبرئ ساحتهم، وإن كنا نعتبر المحتوى «صناعة العقل واستثمار قدراته» فأي هؤلاء أفاد العقل بما يمكن أن ينمي قدرة ما.!

ماذا صنعوا إلا أنهم كشفوا هشاشة قناعات المجتمع، وسرعة التأثير والتأثر، وسهولة مخادعتنا، وإصابتنا بفقدان الثقة، ثم في كل انكشاف لغطاء أحدهم، تتسابق حساباتنا لنبذه وجلده، وسرعان ما نتحول فيها لجلد ذواتنا، ونعود بقوة للبحث عنهم من جديد، وتدور الدائرة بهذا الاتجاه في استمرار عجيب.

من يأمن أن يجعل طفلاً يشاهد ما يشاهده اليوم في التطبيقات، من يعرف طفلاً لا يحمل هاتفاً بأحدث الإصدارات يتبع «مشاهير» تتقاذف الكلمات الممجوجة، أو تلتقط المقاطع المسيئة، أو تقدم المحتوى الفارغ، إلا من الأكل أو الشراء أو التعليق الساخر، وهذا الأخير بالتحديد أدخلنا في قضية شعواء اسمها «التنمر» من أين بدأ وكيف؟ ألم نضحك ونتناقل سخرية هذا المشهور على هذا وذاك؟ فكيف نعالج ما صنعناه ألم نقف مع هواتفنا، ونضع الحد الفاصل بين المشاهير بالبحث عن «المحتوى المفيد» فالمحتوى أزمة المشهور، ابحث عمن يثريك، يفجر طاقتك بالإبداع، يصنعك من جديد، أما ما لا يصنف تحت هذه القاعدة فالتخلص منه أسلم للعقل والجيل.

@khalud25