في عالمنا الإعلامي تتعدد القنوات التي يصل مداها للعالم أجمع، وسائل الإنترنت ومنصاتها المتعددة والمحطات الفضائية بكافة برامجها ومختلف توجهاتها، ومع هذا الزحف الذي يظنه الكثير إلى الأمام يظنون أيضا أنه يشوبه الكثير من الجرأة، وعلى طاري الجرأة فمعناها متفاوت عند الكثيرين منها التهور ومنها التسرع وعدم الخوف والشجاعة والإقدام وغير ذلك، إلا أنني لا أرى تعريفا واحدا مما سبق قد يلبس ثوب الجرأة، فلا قوة الحناجر التي في الحلوق ترد حقا ولا زمجرة ترده لأصحابه، إنما الطرح الهادف الواضح الذي يضع يده على المشكلة تماما ويوفر لها الحل المناسب هو ما قد يرتاح له ضميري حين أعرف الجرأة من منظوري المتواضع، وبحكم أنني أقبع على إحدى صفحات هذه المنصات الإعلامية رقميا وورقيا فيتوجب علي، أن أكيل لها بعض المديح الذي تستحقه من ريادة وتاريخ تليد أسعدتني لا سيما أنها أول وسيلة سمحت لي بوضع أحرفي لكم هنا. وحتى لا أبحر أنا وصحيفتي الغراء بعيدا عن موضوعنا آنف الذكر أقول: إن معظم ما اطلعت عليه من جرأة مزعومة في كل ما يخرج للناس من أي وسيلة إنما هو وأكرر في معظمه يجانب الصواب، فلم تكن الجرأة يوما أن تناقش موضوعا لا يتعدى جدران المنزل فتضعه على طاولة البرنامج، ولا حدة في الصوت أمام ضيف ضعيف يتلكك ويتلبك في إجاباته، وليست أيضا حرفنة لدى المذيع الذي يستطيع أن ينزع من ضيوفه ما يشاء مما يتحفظون عليه، كل ذلك هو قشور في الجرأة أما لبها فهو موضوع مناسب مع الضيف المناسب في الوقت المناسب بطريقة مناسبة وليس أكثر من ذلك، فالطرح الهادئ الرصين يلين مسامع المتلقي ويجعله أسهل استيعابا وأكثر قبولا وتطبيقا خاصة إن ثقل محتواه وتحدد هدفه، أما حدة الصوت وارتفاع النبرة فلا يصفق لها إلا من هم آخر الركب، وهذا التصفيق لا يدوم مفعوله طويلا، فهو ثناء مغلف من الخارج وفارغ في داخله لا يفيد أبدا بل يضر بسرعة. وخير دليل على ما ذكرت هو كلام الله عز وجل إلى نبيه الكريم سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام- حين قال في القرآن الكريم (وجادلهم بالتي هي أحسن)، وكما قال أيضا عز وجل لنبينا موسى وأخيه حين ذهبا إلى فرعون (فقولا له قولا لينا). فما كان الخطاب الصحيح إلا كذلك، وهنا نكون وصلنا لأنموذج وتعريف صحيح للجرأة التي تصيب الحقوق وبعيدة عن الحلوق. وحتى ألقاكم الأسبوع المقبل أودعكم قائلا (النوايا الطيبة لا تخسر أبدا) في أمان الله.