تأملت المشهد للحظة، ثم خطر في بالي سؤال أزعجني:
متى كانت آخر مرة كنّا فيها فعلًا في المكان الذي تجلس فيه أجسادنا؟
السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يستحق التأمل؛ لأن الهاتف لم يسرق وقتنا فقط، بل غيّر شيئًا من معنى الحضور.
لفترات طويلة، كان الجالس في مكان ما حاضرًا فيه بالضرورة؛ يرى من أمامه، ويسمع الأصوات المحيطة به، ويراقب الوجوه، ويفكر، ويتأمل، وينتظر.
أما اليوم، فقد أصبح الجسد آخر جزء منا يصل إلى المكان.
نحن هنا وهناك في الوقت نفسه. نأكل ونشاهد مقطعًا على شاشة الهاتف، نجلس مع أهلنا ونقرأ تعليقًا من شخص لا نعرفه، ونذهب إلى مكان جميل، ثم ننشغل بتصويره ومشاركة تفاصيله بدلًا من أن نعيش اللحظة.
لقد أصبح الإنسان قادرًا على أن يكون في أجمل مكان، لكنه يظل منشغلًا بشيء آخر.
وهنا تكمن المفارقة.
كل التكنولوجيا التي صنعناها كانت تهدف إلى تقريب الأشياء منا. الهاتف قرّب البعيد، والإنترنت سهّل الوصول إلى المعرفة، ووسائل التواصل قرّبت المسافات بين الناس. ثم حدث شيء لم ننتبه إليه بما يكفي:
حين اقترب كل شيء، ابتعد ما كان قريبًا.
أصبح ما يحدث على الشاشة أكثر قدرة أحيانًا على جذب انتباهنا من الشخص الجالس أمامنا. وقد نعرف تفاصيل كثيرة عن أشخاص لا نلتقي بهم، بينما لا ننتبه إلى تغير ملامح شخص قريب منا، أو إلى صمته، أو حاجته إلى الحديث.
وربما نحن أمام شكل جديد من الابتعاد؛ ليس انتقالًا من مكان إلى آخر، بل ابتعادًا ذهنيًا عن اللحظة التي نعيشها.
كثير من الناس يغادرون يوميًا الأماكن التي توجد فيها أجسادهم، دون أن يغادروا مقاعدهم.
فأين أنت عندما تحدق في هاتفك؟
جسدك هنا، وعيناك على الشاشة، وعقلك منشغل بمحتوى آخر، ومشاعرك تتفاعل مع صورة أو تعليق أو رسالة.
فأين توجد أنت بالضبط؟
ربما لهذا أصبح الملل عدوًا.
في الماضي، كان الإنسان يجلس وينتظر؛ ينتظر الطعام، أو صديقًا، أو موعدًا. وفي تلك المساحات الفارغة كان يحدث شيء بالغ الأهمية: كان يلتقي بنفسه.
اليوم لم نعد نسمح للفراغ بأن يحدث.
ثلاثون ثانية من الانتظار قد تكون كافية لكي نخرج الهاتف.
إشارة مرور؟ الهاتف.
مصعد؟ الهاتف.
طابور؟ الهاتف.
قبل النوم؟ الهاتف.
بعد الاستيقاظ؟ الهاتف.
حتى اللحظات التي كان العقل يستخدمها لترتيب أفكاره، أصبحت تمتلئ بالإشعارات والمحتوى المتتابع.
العقل البشري لم يُصمم ليستقبل كل شيء في كل دقيقة. نحن نفتح هواتفنا صباحًا، فنجد عشرات الرسائل والصور والمقاطع والآراء، ثم ننتقل من موضوع إلى آخر دون أن نمنح أنفسنا فرصة كافية لاستيعاب أي منها.
نحن نحمل تفاصيل عالم واسع في جيوبنا، ثم نتساءل أحيانًا: لماذا نشعر بالتعب؟
عدت أنظر إلى المطعم.
الطعام يصل ساخنًا، والبشر يلتقطون له الصور. الوجوه تضيء بضوء الشاشات، وفجأة فكرت في شيء أكثر عمقًا:
ربما بعد سنوات، سيتمنى أحد هؤلاء لو عاد إلى هذه اللحظة تحديدًا. سيتمنى أن يرى من يحب، وأن يسمع الضحكات، وأن يستعيد ذلك المساء العادي الذي لم يكن يعرف أنه سيكون يومًا ذكرى ثمينة.
@malarab1



