* تم.
ثم يمر اليوم واليومان، والشهر والشهران، ولم يُنفذ المطلوب، رغم أن أحدًا لم يُجبره على إطلاق هذا الوعد، وكان يستطيع أن يقول: لا.
ولمن يستخف بالوعود، أقدم هذه القصة التي ذكرها شهاب الدين الأبشيهي في كتابه المستطرف في كل فن مستظرف. فقد كتب الأبشيهي، في قضية الطائي وشريك نديم النعمان بن المنذر، ما خلاصته أن النعمان كان قد جعل لنفسه يومين: يوم بؤس، يقتل فيه من يصادفه، ويوم نعيم، يُحسن فيه إلى من يلقاه ويغنيه.
وكان هذا الطائي قد رماه الدهر بسهام الفاقة والفقر، فأخرجته الحاجة من محل إقامته ليلتمس شيئًا لصبيته وصغاره. وبينما هو كذلك، صادف النعمان في يوم بؤسه، فعلم أنه مقتول، فطلب من النعمان أن يمهله حتى يوصل ما كسبه إلى أولاده ويوصي بهم، ثم يعود ليسلم نفسه.
فقال النعمان: لا آذن لك حتى يضمنك رجل منا، فإن لم ترجع قتلناه. وكان شريك بن عدي، نديم النعمان، حاضرًا، فالتفت إليه الطائي وطلب منه أن يضمنه. فقال شريك: أصلح الله الملك، عليَّ ضمانه.
فخرج الطائي مسرعًا إلى دياره، ومضى النهار ولم يعد. فلما اقترب المساء، قال النعمان لشريك: قد جاء وقتك، فقم وتهيأ للقتل. فقال شريك: هذا شخص قد لاح مقبلًا، وأرجو أن يكون الطائي، فإن لم يكن، فأمر الملك ممتثل.
قال: فبينما هم كذلك، إذا بالطائي قد اشتد عدوه، مسرعًا حتى وصل، فقال: خشيت أن ينقضي النهار قبل وصولي. ثم وقف قائمًا وقال: أيها الملك، مُر بأمرك.
فأطرق النعمان، ثم رفع رأسه وقال: والله ما رأيت أعجب منكما؛ أما أنت يا طائي، فما تركت لأحد في الوفاء مقامًا يقوم فيه، ولا ذكرًا يفتخر به. وأما أنت يا شريك، فما تركت لكريم سماحةً يُذكر بها بين الكرماء. فلا أكون أنا ألأم الثلاثة. ألا وإني قد رفعت يوم بؤسي عن الناس، ونقضت عادتي كرامةً لوفاء الطائي وكرم شريك.
الوعد ليس أمرًا يسيرًا حتى يستخف به البعض. إنه قيمة عظيمة يجب أن نعطيها حقها، وألا نجعلها مرادفة لإخلاف العهد.
اتقوا الله في وعودكم، واتقوا الله في قيمكم العظيمة، ومن لم يستطع تحمل مسؤولية الوعد، فليقل: لا، فهي أصدق وأرحم، ولا شك.

