وصل زويمر إلى العقير قبل الفجر، وتوجه إلى موظف في الجمارك كان يحمل إليه رسالة من أحد تجار البحرين. وكانت العقير يومئذ بلدة صغيرة، فيها حصن مبني من الطين، وسارية قصيرة للعلم، ومبنى كبير للجمارك، لكنها لم تكن تضم سوقًا أو عددًا مستقرًا من السكان.
وعلى الرغم من صغرها، كانت العقير تؤدي دورًا اقتصاديًا كبيرًا. فقد كان ميناؤها يستقبل كميات من البضائع القادمة من البحرين، ثم تُنقل على ظهور الإبل إلى الأحساء، ومنها إلى مناطق داخل نجد.
كانت الأقمشة والقهوة والأرز والسكر وبعض السلع المصنّعة تصل إلى داخل الجزيرة العربية عن طريق البحرين والعقير، بينما كانت مناطق شمال نجد تحصل على جانب من احتياجاتها برًا من البصرة وبغداد.
ويذكر «زويمر» أن قافلة يتراوح عددها بين مئتي وثلاثمئة جمل كانت تغادر العقير كل أسبوع. وفي اليوم الذي وصل فيه، كانت الساحة المحيطة بمبنى الجمارك مملوءة بأكياس البضائع وصناديقها، وكان صوت تحميل نحو سبعمئة جمل يملأ المكان.
تقدم هذه التفاصيل صورة واضحة للعقير في نهاية القرن التاسع عشر. لم يكن مجرد موضع صغير على ساحل الخليج، بل كان محطة تجارية تصل السفن القادمة من البحرين بقوافل الأحساء ونجد. كانت البضائع تقطع المرحلة الأولى من رحلتها بحرًا، ثم تبدأ من العقير رحلة جديدة فوق ظهور الجمال.
اتفق «زويمر» مع رجل نجدي يدعى صالح على أن يصحبه ضمن قافلته. وقبل صلاة الظهر، غادرت المجموعة العقير متجهة إلى الهفوف.
كانت الأرض في الساعات الأولى صحراء مكشوفة، لا يقطع امتدادها إلا بعض التلال الرملية وتكوين من الحجر الجيري ذي لون مائل إلى الخضرة. وعندما حل الليل، فرش المسافرون أغطيتهم فوق الرمل وناموا في العراء.
كان النهار حارًا وتوقف فيه النسيم، لكن الليل أصبح شديد البرودة مع هبوب الرياح الشمالية. وكان بعض أفراد القافلة قد غادروا العقير من دون أن يملؤوا قرب الماء، فاشتد بهم العطش.
أخذوا يحفرون بأيديهم في الرمل حتى بلغ عمق الحفرة نحو ثلاثة أو أربعة أقدام، أي قرابة متر، فعثروا على الماء وشربوا منه. وتكشف هذه الحادثة جانبًا من طبيعة السفر قديمًا، حين كان نسيان ملء قربة الماء كافيًا ليضع المسافر في مواجهة مباشرة مع عطش الصحراء.
وتستمر الرحلة.. وللحديث بقية.
@GAITAMIMI1



