ومن هنا تبدأ واحدة من أخطر الجرائم التي لا يعاقب عليها قانون، ولا توثقها المحاكم: «اغتيال المعنى». إنها جريمة لا تحتاج إلى تزوير الكلمات، ولا إلى اختلاق الوقائع، بل يكفي أن يُنتزع الكلام من سياقه، أو يُحمَّل ما لم يحتمله، أو يُقرأ بعين تبحث عن الإدانة قبل أن تبحث عن الفهم؛ عندها تبقى الكلمات كما هي، بينما تغادرها الحقيقة بصمت.
ويبدو أن الإنسان المعاصر يعيش في عالم مزدحم بالألفاظ، لكنه يواجه تحديًا متزايدًا في الوصول إلى المعاني. نقرأ كثيرًا، لكننا نفهم على عجل، ونستمع طويلًا، لكننا غالبًا ما نُصغي إلى أصواتنا الداخلية أكثر مما نُصغي إلى من يتحدث إلينا. وهكذا يصبح كل حوار معرضًا لأن يتحول إلى حديث بين معنيين مختلفين، لا بين شخصين.
ولعل المفارقة أن أكثر الكلمات تعرضًا لسوء الفهم هي أبسطها؛ فعبارة عابرة قد تُقرأ بوصفها سخرية، بينما قصدها صاحبها مزاحًا، وصمت قصير قد يُفسر ازدراءً، وهو في الحقيقة انشغال، ورسالة مختصرة قد تُتهم بالجفاء، بينما لم تكن إلا محاولة للاختصار. إننا كثيرًا ما نُكمل كلمات الآخرين بأقلامنا، ثم نحاسبهم على ما كتبناه نحن.
فالمعنى ليس شيئًا نلتقطه جاهزًا من الجملة، بل هو بناء يشارك فيه القائل والسامع معًا. ولهذا قد تكون الكلمة بريئة، بينما يكون التأويل موطن الخطأ. وليس كل سوء فهم دليلًا على سوء تعبير، كما أن وضوح الكلام لا يضمن دائمًا وضوح المعنى.
وفي زمن أصبحت فيه العناوين تُقرأ أكثر من المقالات، والمقاطع المبتورة تنتشر أكثر من المشاهد الكاملة، والانطباعات تُصنع أسرع من الحقائق، بات اغتيال المعنى أكثر حضورًا في المشهد اليومي. فالكلمة لم تعد تُمنح الوقت الكافي لتُفهم، بل تُدفع مباشرة إلى محكمة الأحكام العاجلة.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تُفسد الحوار فحسب، بل قد تُضعف قدرة الإنسان على الإنصاف؛ فمن اعتاد أن يرى في كل كلمة إساءة، سيعيش مثقلًا بالشك، ومن اعتاد أن يقرأ النوايا قبل العبارات، سيفقد القدرة على التوازن، ومن جعل التأويل بديلًا عن الفهم، فلن يرى العالم كما هو، بل كما تمليه عليه ذاكرته وتجربته.
ولهذا، لا تبدأ مسؤولية الكلمة عند الكاتب، ولا تنتهي عند القارئ، بل هي مسؤولية مشتركة؛ مسؤولية أن نقول بصدق، وأن نستمع بعدل، وأن نمنح المعنى فرصته الكاملة قبل أن نصدر الحكم.
شمعة مضيئة:
في النهاية، لا يُقاس وعي الإنسان بقدرته على الكلام، بل بقدرته على فهم ما وراء الكلام. فالكلمات لا تهدم العلاقات، ولا تشعل الخصومات، ولا تصنع الانقسام من تلقاء نفسها؛ وإنما يفعل ذلك المعنى حين يُنتزع من سياقه، أو يُحمَّل ما ليس فيه.
@Sa_Alas



