غير أن الحقيقة هي أن الخسارة المالية ليست دائماً خسارةً حقيقية، فقد تكون ثمناً لتحقيق مكسب استراتيجي أعظم، والشخص الناجح يقيس النجاح بما يحققه من أهداف وقيم، لا بما يحتفظ به من أموال وممتلكات.
وفي السيرة النبوية مثالٌ عجيب لخسارةٍ مالية كانت، في حقيقتها، رفعةً في الدنيا والآخرة، فعندما هاجر الصحابي الجليل صُهَيْب بن سِنان الرومي -رضي الله عنه-، وقف في طريقه كفار قريش، وقالوا له بكل صفاقة: أتيتنا صعلوكاً حقيراً، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك.
فرد عليهم صهيب -رضي الله عنه-: أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أتخلون سبيلي؟
قالوا: نعم.
قال: فإني قد جعلت لكم مالي.
فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب».
لم يستسلم صهيب لمصادرة ماله بأكمله، وخسارة تعب عمره، بل كانت الأولويات لديه واضحة، ولذلك ضحى بالوسيلة من أجل الغاية، وكان شجاعاً في دفع ثمن قراره، فالغايات الكبرى تحتاج إلى تضحيات، ولها تكاليف، ولا بد أن يدفع صاحبها ثمناً، وما بدا خسارةً مالية كان، في الحقيقة، استثماراً رابحاً، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «ربح صهيب، ربح صهيب»؛ فالناجح ينظر إلى العائد البعيد، لا إلى المكسب اللحظي.
ليست المشكلة في أن تخسر شيئاً، وإنما المشكلة في أن تخسر شغفك وطموحك، اللذين هما سر قوتك وبقائك في هذه الحياة، وكم من إنسان ربح المال وخسر نفسه، وآخر خسر المال وربح رسالته ومستقبله ورضا ربه. لذلك، لا تجعل أول خسارة نهاية الطريق، فقد تكون هي الثمن الذي يفتح لك أبواباً لم تكن لتبلغها لولا تلك التضحية. وتذكر دائماً: «ربح صهيب، ربح صهيب»؛ فالعبرة ليست بما خرج من يدك، بل بما بقي في قلبك من يقين، وفي ميزانك عند الله من أجر، وما حققته من أهداف تستحق أن تُبذل من أجلها التضحيات.
[email protected]



