أتذكر طفولتي، وتلك اللحظة التي كنت أقف فيها أمام والدي بقلب يخفق، أنتظر حكمه أكثر مما أنتظر النتيجة نفسها. وأدركت بعد سنوات طويلة في العمل الأكاديمي أن أخطر ما نفعله بأبنائنا ليس النتيجة المتدنية، بل ردة فعلنا تجاهها؛ فكلمة قاسية تُقال في لحظة غضب عابرة قد تترك أثراً يرافق الطفل سنوات طويلة بعد أن يُنسى الرقم نفسه.
فالطفل لا يقرأ الأرقام، بل يقرأ ملامح وجوهنا، ويستشعر إن كان حبنا مشروطاً بتفوقه أم ثابتاً رغم تعثره، وهذا الإحساس العميق هو ما يصنع شخصيته في المستقبل أكثر من أي معدل دراسي. وهنا تكمن المفارقة؛ فنحن نريد لأبنائنا أن يتعلموا المرونة والصبر وتقبل التحديات، بينما قد نفقد هدوءنا أمام نتيجة عابرة بالغضب أو الصمت الذي يترك أثراً سلبياً، فننقل إليهم مخاوفنا بدلاً من أن نغرس فيهم شجاعة المواجهة.
النضج التربوي يبدأ من قدرتنا على الفصل بين قيمة الإنسان وأدائه، فالطفل الذي يشعر أن حب والديه يهتز مع كل اختبار ينشأ هشاً أمام الفشل، خائفاً من المحاولة، بينما الطفل الذي يجد في بيته أماناً غير مشروط، يخرج إلى الحياة وهو يحمل ثقة تؤهله لمواجهة العقبات.
والاستماع هنا أهم من إصدار الأحكام؛ فحين تسأل ابنك عن شعوره قبل أن تسأله عن نتيجته، تفتح باباً للحوار يبني الثقة بدلاً من أن يغلقها الخوف، وتمنحه مساحة ليعبر عن مخاوفه وأحلامه بصدق. كما أن التعلم من الأخطاء أبلغ من تكرار اللوم عليها، فالخطأ قد يكون محطة للنمو والتعلم.
وكما تعلمت من واقع الجودة المؤسسية، فإن التطوير المستمر لا يبدأ من جلد الذات، بل من تشخيص دقيق وخطة واضحة. وكذلك تطوير أبنائنا يبدأ بتشخيص هادئ لنقاط القوة، ووضع خطة عملية للتحسين، بعيداً عن المقارنات المؤذية التي تزرع الشك في النفس بدلاً من الطموح، وتجعل الطفل يرى ذاته من خلال عيون الآخرين لا من خلال إنجازاته.
خلاصة القول، النتيجة ورقة تمر، والعلاقة جوهر يبقى؛ فازرع في ابنك الثقة بدلاً من الخوف، والحب الثابت بدلاً من الحب المشروط، فتلك هي الشهادة التي تصنع منه ناجحاً في حياته، لا في اختباراته.
@Ahmedkuwaiti



