ورغم ذلك، فأنا لا أؤمن بأهمية هذه الأيام بقدر ما أؤمن بأن قيمتها يجب أن تكون سلوكًا مستمرًا طوال العام، لا مناسبة عابرة تنتهي بباقات ورد أو كلمات جميلة. فبرُّ الأب والأم، والحب، والعائلة، والعمل، كلها قيم تُمارس كل يوم، وليست احتفالًا موسميًا.
نعود إلى أبينا العظيم، الذي يخفت الحديث عنه رسميًا واجتماعيًا. كثيرًا ما يُوصف بأنه صديق أو معلم أو سند، وهي أوصاف لا أراها كافية. فمن يقول: «أبي صديقي ومعلمي وسندي»، أراه لم يوفِّ الأب حقه في الوصف، فكل تلك الصفات أقل من مقامه. فهذا الرجل، بعد الله، سبب وجودنا في هذه الحياة، وهو من يرسم لنا طريقها، ويمهده، ويزينه بتحمله المشاق عنا، ويغرس فينا الدين والقيم والفضيلة وحسن التربية.
يخوض معتركات الحياة بصمت، ثم يعود إلينا حاملًا الود والطمأنينة، وكأنه لم يتعب. يتصبب عرقًا من أجلنا، ثم يلتفت إلينا بوجهٍ يفيض بالرضا. يحمل همَّ حاضرنا ومستقبلنا، ويرافقنا منذ المهد حتى الكِبر، لا يغفل عنا، ويمنحنا كل يوم معنى جديدًا للعطاء، يلهج لسانه بالدعاء، وتمتد يداه بالعمل.
وحين يشبهه أحدٌ بالصديق، لا أعد ذلك مدحًا؛ فالصديق قد يغيب أو ينشغل، وما يقدمه يبقى في إطار المبادرة، أما الأب فنحن حياته وهمُّه وفرحه، وهو يعيش ليمنح أبناءه حياة أفضل.
لا أجد كلمة تليق بمقامه، فمهما اجتمعت الصفات، يبقى أكبر منها جميعًا. وفي القرآن الكريم جاء خطاب الله تعالى للأب بلين ورحمة، حتى مع من كان مشركًا، فقال «يا أبتِ لا تعبد الشيطان»، فما بالنا بمن كان مسلمًا موحدًا.
لو كان الأمر بيدي، لأوقفت العالم كله في يوم الأب، وفاءً لشيء يسير من حقه.
أكرموا آباءكم بالدعاء، والطاعة، والابتسامة، وتلمس حاجاتهم قولًا وعملًا. لا تنتظروا منهم طلبًا أو توجيهًا، واعتزوا بأسمائهم، واحملوها فخرًا في قلوبكم قبل ألسنتكم، وتباهوا بهم أمام الدنيا كلها. أنا ابنٌ لهذا الأب العظيم.
اللهم أطل أعمار والدينا، وألبسهم لباس الصحة والعافية، وارزقنا برهم كما تحب وترضى، واغفر لمن رحل منهم، واجعلهم في الفردوس الأعلى، واجعل أعمالنا في موازين حسناتهم، فإنهم نعم الرعاة لأبنائهم.
وبعد كل ما كتبت، أعلم يقينًا أنني لم ولن أوفي أي أب حقه؛ فمهما بلغنا من البلاغة، نبقى عاجزين عن وصف فضله.
وحتى ألقاكم الأسبوع المقبل، أودعكم قائلًا: «النيات الطيبة لا تخسر أبدًا».
في أمان الله.
[email protected]



