لقد اعتاد الإنسان عبر التاريخ أن يُحاسب من يراه مذنبًا، لكنه قلّما انتبه إلى أن أخطر ما قد يفقده الإنسان هو ضميره، حين تُغلبه الأنانية، أو الطمع، أو التعصب، أو حب السلطة. فهناك تبدأ الهزيمة الحقيقية؛ لأن سقوط الجسد قد ينتهي بلحظة، أما سقوط الضمير فيمتد أثره ليطال الفرد والمجتمع والأجيال..!!
إن عمى البصيرة لا يعني فقدان القدرة على الرؤية، وإنما فقدان القدرة على إدراك الحقيقة رغم وضوحها. فقد يرى الإنسان الظلم فلا يستنكره، ويشهد الكذب فيبرره، ويشارك في الإساءة، ثم يقنع نفسه بأنه لم يفعل سوى ما يفعله الآخرون. وهكذا تتراكم التنازلات الصغيرة حتى تتحول إلى انهيارٍ أخلاقي كبير، يبدأ بخطوةٍ وينتهي بغياب كامل للإحساس بالمسؤولية..!!
والضمير يشبه المرآة؛ لا تنكسر حين يخطئ الإنسان، لكنها تتغشّى بطبقةٍ من غبار الهوى كلما أصرّ على تبرير أخطائه، حتى يأتي يوم يظن فيه أن العيب في الحقيقة، لا في المرآة. وعندها لا يعود يبحث عن الصواب، بل عما يوافق رغباته، فتغدو الأهواء قاضيًا، والمصالح شاهدًا، والحق هو المتهم الوحيد..!!
وأشد ما يؤلم أن الإنسان لا يفقد ضميره دفعةً واحدة، بل يتخلى عنه بالتقسيط؛ يساوم عليه مرة، ويؤجله مرة أخرى، ثم يعتاد الصمت حين يجب الكلام، ويألف المصلحة حين تتعارض مع المبادئ، حتى يصبح الحق ثقيلًا على قلبه، والباطل مألوفًا في نظره، لأن البصيرة قد غطاها غبار الهوى..!!
إن المجتمعات تضعف حين يضعف الضمير الجمعي، فتختل بعض الموازين، ويُكرَّم أحيانًا من لا يستحق، ويُهمَّش أصحاب المواقف، وتصبح القيم محل مساومة بدلًا من أن تكون أساسًا للحياة. وحينها تُصاب الثقة بالوهن، ويتحول القانون إلى نصوصٍ بلا روح؛ لأن العدالة لا يحرسها النظام وحده، بل يحرسها ضميرٌ حي لا ينام..!!
وفي المقابل، قد يحرم الضمير الحي صاحبه من مكاسب عاجلة، لكنه يمنحه سلامًا داخليًا لا يُشترى، واحترامًا يبقى بعد زوال المناصب والمصالح. فالإنسان يُقاس في نهاية المطاف بما حافظ عليه من مبادئ، لا بما جمعه من مكاسب، وبما تركه من أثرٍ كريم، لا بما امتلكه من نفوذٍ عابر..!!
ولعل أعظم امتحان يواجه الإنسان هو أن يبقى وفيًّا لقيمه حين يغيب الرقيب، وأن ينتصر للحق حين يكون الثمن باهظًا، وأن يراجع نفسه قبل أن يحاسب غيره. فالبصيرة ليست هبةً تُمنح مرةً واحدة، بل نورٌ يتجدد بالصدق، والتواضع، ومحاسبة النفس، والالتزام بما يمليه الضمير..!!
شمعة مضيئة:إن غياب الضمير ليس لحظةً عابرة، بل هو بداية فقدان الإحساس بالحق داخل الإنسان. فإذا عميت البصيرة، ضاعت المعايير، واستحال الباطل حقًا في أعين أصحابه. أما من حافظ على ضميره حيًا، فقد حفظ إنسانيته، وإن خسر بعض متاع الدنيا.
فلنقف مع أنفسنا وقفةً صادقة، نراجع فيها نياتنا وأفعالنا قبل أن نراجع أخطاء الآخرين. فليس أعظم انتصار يحققه الإنسان أن يغلب خصومه، بل أن يغلب هوى نفسه. فأبقى ما يورثه الإنسان ليس مالًا ولا جاهًا، بل ضميرٌ لم يساوم، وبصيرةٌ لم يُطفئها الهوى.من محطة: ضميرٌ غائب.. حين تعمى البصيرة أحدثكم..
«قلمي..»
@Sa_Alaseri



