أعترف أنني لم أكن أستطيع رؤية إشعار على هاتفي دون أن أزيله، ليس لأنني شغوفة بمعرفة محتواه، ولا لأنني أخشى أن تفوتني رسالة مهمة، بل لأن وجود ذلك الرقم الصغير كان يزعجني، ولا أظن أنني الوحيدة.
ستجد من يفتح بريده الإلكتروني ليحذف إشعارًا لا يهمه، ومن يتصفح تطبيقًا لم يستخدمه منذ أسابيع، فقط ليتخلص من الرقم الأحمر الظاهر عليه. والغريب أن كثيرًا من هذه الإشعارات لا تستحق كل هذا الاهتمام، ومع ذلك يصعب علينا تركها كما هي.
ربما لأن القضية ليست في الإشعار نفسه! فالإنسان بطبيعته يميل إلى اكتمال الأشياء، وترتيبها، وتنظيمها. لا يحب، مثلًا، الدرج المفتوح، ولا السرير غير المرتب، ولا الورقة الموضوعة في غير مكانها. والإشعار، في النهاية، ليس سوى علامة صغيرة تخبرنا أن هناك **شيئًا** لم يُغلق بعد.
ولهذا نتعامل معه كما لو كان مهمة يجب إنهاؤها، حتى وإن كان رسالة غير مهمة. فالحرص لا ينعكس دائمًا على ما هو أهم؛ فنحن نزيل إشعارًا خلال ثوانٍ، لكننا قد نؤجل قرارًا مهمًا لأشهر. نحرص على أن تبدو شاشة الهاتف نظيفة، بينما تظل ملفاتنا، وأفكارنا، ومشاريعنا المؤجلة كما هي، تنتظر الوقت المناسب الذي قد لا يأتي.
وربما لأن إزالة الإشعار تمنحنا شعورًا سريعًا بالإنجاز؛ فضغطة واحدة تخفي الرقم، ويعود كل شيء مرتبًا كما نحب. أما القرارات الكبيرة فلا تختفي بضغطة، ولذلك نهرب منها إلى ما هو أسهل.
ومع تطور التقنية، أصبحت التطبيقات **تدرك** هذا السلوك جيدًا، لذلك لا تكتفي بإرسال الإشعار، بل تعرضه بطريقة تلفت الانتباه، وكأنها تقول: **انظر إليّ**. وكلما استجبنا، ترسخ هذا السلوك أكثر، حتى أصبح بعضنا ينظف شاشة هاتفه عدة مرات في اليوم، دون أن يشعر أنه يفعل ذلك بدافع الحاجة، بل لراحته النفسية.
لست أدعو إلى ترك الإشعارات تتراكم، ولا إلى تجاهل الرسائل المهمة، لكنني أتساءل: **هل نحن نرتب حياتنا فعلًا، أم نرتب فقط ما يظهر على شاشة الهاتف؟**
فقد يكون أخطر إشعار في حياتنا ليس ذلك الرقم الأحمر الذي نراه كل يوم، بل ذلك الذي لا يظهر على أي شاشة؛ إشعار يخبرنا بأن هناك علاقة تحتاج إلى إصلاح، أو هدفًا ينتظر أن يبدأ، أو قرارًا تأخر كثيرًا. تلك الإشعارات لا تختفي إذا تجاهلناها، ولا تُزال بلمسة إصبع، بل بالفعل.


