لم يكن المستكشف البريطاني إرنست شاكلتون يبحث عن الشهرة حين أبحر عام 1914 نحو القارة القطبية الجنوبية، بل كان يسعى إلى إنجازٍ ظنَّ كثيرون أنه مستحيل. غير أن سفينته «إنديورنس» حوصرت بالجليد حتى تحطمت، وأصبح هو وسبعة وعشرون من رفاقه في قلب واحدة من أقسى البيئات على وجه الأرض. واستمرت المحنة قرابة عامين، ومع ذلك لم يفقد شاكلتون رباطة جأشه، وقاد رجاله في رحلة نجاة شاقة عبر الجليد والمحيط حتى عادوا جميعًا أحياء. ولم يكن انتصاره في بلوغ القارة، بل في رفضه الاستسلام عندما تبددت كل وسائل الأمان.
ولعل أجمل ما يلخص تلك الرحلة مقولة الكاتب الأمريكي جون أوغستوس شيد: «السفن في المرافئ آمنة، لكن السفن لم تُصنع للمرافئ». فالأمان غاية نبيلة إذا حمى الإنسان من التهلكة، لكنه يتحول إلى قيد عندما يمنعه من أداء رسالته، أو يحرمه من استثمار مواهبه، أو يدفعه إلى الاكتفاء بحياة لا يجرؤ فيها على خوض تجربة جديدة أو اتخاذ قرار مؤجل.
وينبغي الإشارة إلى أن المرافئ في حياتنا ليست دائمًا أرصفة تطل على البحر؛ فقد تكون وظيفة نستمر فيها لأن التغيير يقلقنا، أو فكرة قديمة نتمسك بها لأننا اعتدناها، أو مشروعًا نؤجل إطلاقه خوفًا من الفشل، أو موهبة ندفنها خشية النقد. والمفارقة أن كثيرًا من الناس لا تعوقهم قلة الفرص، بل وفرة التردد.
ويفسر علماء الاقتصاد السلوكي هذا الميل من زاويتين متكاملتين؛ الأولى هي التحيز للوضع القائم، الذي يدفع الإنسان إلى تفضيل المألوف لمجرد اعتياده، والثانية هي تجنب الخسارة، التي وصفها دانيال كانيمان وعاموس تفيرسكي، حيث يميل الناس إلى تضخيم ألم الخسارة مقارنة بفرحة المكسب، فيؤجلون قرارات قد تغير حياتهم، على الرغم من إدراكهم لفوائدها. ومن جهة أخرى، تشير بحوث الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن المرونة النفسية لا تتكون في البيئات الخالية من التحديات، وإنما تنمو عندما يواجه الإنسان مواقف جديدة ويتعامل معها بتدرج ووعي. كما أظهر تقرير غالوب العالمي لبيئة العمل لعام 2025 أن الموظفين الذين يحظون بفرص للتعلم، وتحمل المسؤولية، والمبادرة، يحققون مستويات أعلى من الاندماج الوظيفي والإنتاجية مقارنة بمن تستقر حياتهم المهنية عند حدود الروتين.
ومع ذلك، فإن مغادرة المرفأ ليست دعوة إلى التهور؛ فالسفينة الحكيمة لا ترفع مرساتها قبل أن تُحكم أشرعتها، ولا تبحر دون بوصلة. وكذلك الإنسان؛ فالشجاعة ليست إنكار المخاطر، بل الاستعداد لها ثم المضي بثقة.
وليس بعيدًا عن حياتنا اليومية، فكثير من الأحلام تبقى حبيسة المرافئ؛ مشروع نؤجله خوفًا من الفشل، أو مهارة نتمنى تعلمها، لكننا ننتظر «الوقت المناسب» الذي قد لا يأتي أبدًا، أو فكرة نقتلها قبل أن تولد خشية ألا تحظى بإعجاب الآخرين. وما وسائل التواصل الحديثة إلا بيئة تزيد هذا التردد حين تدفعنا إلى مقارنة بداياتنا بنهايات الآخرين، فنؤثر البقاء حيث اعتدنا، بدلًا من أن نبدأ رحلتنا الخاصة.
وختامًا، فليست كل مرافئنا سيئة، وليست كل رحلة تستحق الإبحار؛ فالحكمة ليست في مغادرة كل ميناء، وإنما في معرفة متى يحين وقت رفع المرساة. فالمرافئ تُبنى لتحمي السفن من العواصف، لا لتسرق منها رحلة العمر، ولا تُقاس قيمة السفينة بمدة بقائها آمنة على الرصيف، بل بما تركته من أثر في البحر.
الجملة الذهبية
الأمان يحميك من العاصفة، لكن الإفراط فيه قد يحرمك من الرحلة.
من دفتر الكاتب
ليست المشكلة دائمًا في أن الطريق خطر، فقد تكون المشكلة في أننا اعتدنا المرفأ حتى نسينا لماذا أبحرنا أصلًا.



