عندما يُذكر السرطان، يتجه الذهن مباشرة إلى ذلك المرض الذي يبدأ خفيًّا، ثم ينمو بصمت، ثم يستهلك ما حوله شيئاً فشيئاً حتى يصبح أثره ظاهراً للجميع. وليس المقصود هنا الحديث عن المرض ذاته، فهو ابتلاء يواجهه كثير من الناس بشجاعة وصبر، وإنما الحديث عن سلوك يشبهه في طريقة انتشاره وتأثيره؛ ألا وهو السلبية.
بعضهم يتغنى بالسلبية من مبدأ الاختلاف، وقد يتخذ الواقعية حجة لصحة مساره، ولا يعلم أن هذا الطريق الذي اتخذه يحمل له في نهايته تجسيداً لظلمة مساراته!
السلبية تبدأ بفكرة صغيرة جداً، أو جملة عابرة مثل: «لن ينجح»، أو «لا فائدة من المحاولة!». تبدو مجرد كلمات، لكنها مع الوقت تتحول إلى قناعة، ثم إلى عدسة يرى الإنسان من خلالها العالم بأكمله، ومع مرور الوقت يصبح أكثر ميلاً لرؤية العقبات من الفرص، والمخاطر أكثر من الإمكانات، والإخفاقات المحتملة أكثر من النجاحات الممكنة.
والأخطر من ذلك أن السلبية لا تتوقف عند صاحبها؛ فهي تنتقل بسهولة إلى الآخرين. ففي بيئة العمل مثلاً، قد يبدأ الأمر بموظف واحد يردد باستمرار أن المشاريع لن تنجح، وأن الجهود لن تُقدَّر، وأن التغيير لن يحدث. ومع تكرار هذه الرسائل، تبدأ القناعة بالانتقال إلى من حوله، حتى تتحول من رأي فردي إلى ثقافة جماعية.
وحينها لا يكون الضرر في الكلمات نفسها، بل في أثرها المتراكم، فالأفكار السلبية المتكررة تقتل الحماس قبل أن يبدأ، وتضعف المبادرات قبل تجربتها، وتجعل الفشل يبدو وكأنه النتيجة الطبيعية لأي محاولة جديدة.
ولعل المفارقة أن كثيراً من الفرص لا تضيع بسبب المنافسة أو قلة الموارد أو الظروف الصعبة، بل تضيع لأن أصحابها أقنعوا أنفسهم مسبقاً بعدم جدواها. فبعض الناس يخسر المعركة قبل أن يدخلها، ليس لأنه عاجز عن الفوز، بل لأنه حسم النتيجة في ذهنه قبل أن يحاول.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى التفاؤل المفرط أو تجاهل التحديات الحقيقية، فالنظرة الإيجابية ليست إنكاراً للمشكلات، كما أن الواقعية لا تعني الاستسلام لها. والفرق بينهما أن الشخص المتزن يرى المشكلة ويبحث عن حل، بينما يرى الشخص السلبي المشكلة ويكتفي بإثبات وجودها.
فالسرطان الحقيقي يهاجم الجسد، أما السلبية فتستهدف الإرادة، والأول قد يراه الأطباء في الأشعة والتحاليل، أما الثانية فلا تظهر في أي جهاز، رغم أن آثارها قد تمتد إلى كل تفاصيل الحياة.


