لم يعد التحول الرقمي مجرد وسيلة لتسهيل الحياة، بل أصبح أسلوبًا يطبع تفاصيلها اليومية، من التواصل والعمل والتعليم إلى التسوق والترفيه. ومع هذا التغير المتسارع، برز تحدٍّ هادئ لا يتعلق بالتقنية نفسها، بل بكيفية الحفاظ على القيم الإنسانية الأصيلة وسط عالم تتزايد فيه الشاشات ويقل فيه الحضور المباشر. ومن أهم هذه القيم برُّ الوالدين، الذي يبقى ثابتًا مهما تغيرت أدوات الحياة وأساليبها.
قد يظن البعض أن البر يقتصر على تقديم المساعدة أو تلبية الاحتياجات المادية، غير أن معناه أوسع وأعمق. فهو يبدأ من حسن الاستماع، ولين الكلمة، والحرص على السؤال، وإشعار الوالدين بأن لهما مكانة لا تزاحمها مشاغل الحياة. وفي زمن الإشعارات المتواصلة والرسائل التي لا تنتهي، قد يصبح منح الوالدين دقائق من الاهتمام الصادق أثمن من ساعات يقضيها الإنسان متنقلًا بين التطبيقات.
التقنية في ذاتها ليست عائقًا أمام البر، بل يمكن أن تكون وسيلة تعززه إذا أحسن استخدامها. فمكالمة مرئية تطمئن والدين يعيشان في مدينة أخرى، أو رسالة صباحية تحمل كلمات محبة، أو مشاركة صورة عائلية تعيد ذكرى جميلة، كلها صور معاصرة لمعانٍ قديمة أساسها المودة والاهتمام. كما أن التطبيقات الرقمية أصبحت تساعد في متابعة المواعيد الطبية، وإنجاز بعض الخدمات، وتيسير كثير من الاحتياجات اليومية، وهو ما يخفف عن الوالدين ويمنحهما قدرًا أكبر من الراحة.
وفي المقابل، ينبغي الحذر من أن تتحول التقنية إلى حاجز غير مرئي. فليس من البر أن يجلس أفراد الأسرة في مكان واحد، بينما ينشغل كل منهم بشاشته، أو أن يحل التواصل الإلكتروني محل الزيارة والحديث المباشر عندما يكون ذلك ممكنًا. فالعلاقات الأسرية تنمو بالحضور، وتترسخ بالمشاركة، وتزدهر بالاهتمام الحقيقي الذي لا يمكن أن تعوضه الرسائل المختصرة أو الرموز التعبيرية.
كما أن التحول الرقمي أوجد مسؤولية جديدة تتمثل في مساعدة الوالدين على التعامل مع الخدمات الإلكترونية بأمان، وتوعيتهما بأساليب الاحتيال الرقمي، وتمكينهما من استخدام التطبيقات التي تسهل حياتهما. وهذا النوع من الدعم لا يقتصر على الجانب التقني، بل يعكس صورة من صور الرعاية والوفاء، ويمنحهما الثقة في التعامل مع عالم يتغير بوتيرة متسارعة.
إن المجتمعات التي تتمسك بقيمها قادرة على الاستفادة من التقنيات الحديثة دون أن تفقد دفء العلاقات الإنسانية. فالتقدم الحقيقي لا يقاس بعدد الأجهزة التي نمتلكها، بل بقدرتنا على توظيفها فيما يعزز القيم ويقرب بين الناس.
ويبقى بر الوالدين قيمة لا تتأثر بتغير الأزمنة، بل تزداد أهمية كلما ازدادت وتيرة الحياة. وإذا كان العصر الرقمي قد منحنا وسائل اتصال لا حصر لها، فإن أجمل ما يمكن أن نستخدمها فيه هو أن نجعلها جسورًا للمودة، لا بديلًا عن القرب، وأن يبقى للوالدين في يومنا نصيب من الوقت والاهتمام والامتنان، يترجم مكانتهما الكبيرة في حياتنا، ويجسد قيمة إنسانية لا يحدها زمان ولا مكان.



