ليس كل تأخر في العمل سببه الإهمال، وليس كل انخفاض في الأداء سببه التقصير، وليس كل غياب دليلًا على عدم المسؤولية، ففي أحيان كثيرة تكون هناك ظروف أسرية، أو ضغوط نفسية، أو أعباء مالية، أو تحديات لا يعلم بها أحد. وهنا يظهر الفرق بين مدير يقرأ ظاهر المشكلة، ومدير يبحث عن سببها.
المدير الذي يصنع بيئة عمل ناجحة لا ينتظر حتى تتفاقم المشكلات، بل يجعل بابه مفتوحًا، ويخصص وقتًا لموظفيه، ويستمع إليهم قبل أن يصدر أحكامه، فهو يدرك أن كثيرًا من المشكلات يمكن احتواؤها بكلمة، أو بنصيحة، أو بتغيير في بيئة العمل، أو بمنح الموظف فرصةً يستعيد فيها توازنه.
وأفضل بيئات العمل ليست بالضرورة تلك التي تملك أحدث المباني أو أكبر الميزانيات، بل تلك التي يشعر فيها الموظف أن مديره يعرفه، ويقدر ظروفه، ويحترم إنسانيته. ومن وسائل بناء بيئة العمل الناجحة اللقاءات الاجتماعية وبرامج بناء فرق العمل، فهي تقرب الموظفين من بعضهم، وتعزز الثقة والتعاون، وتنعكس مباشرة على جودة الأداء.
والمدير الذكي يبني بيئة تقوم على الحوار والاحترام والتقدير، لأنه يدرك أن المؤسسات القوية لا تُبنى بالأنظمة وحدها، بل بالعلاقات الإنسانية أيضًا.
لكن هذه المواقف الجميلة لا يتحدث عنها أحد. نحن بارعون في نقل المواقف السلبية، نتداولها في المجالس ووسائل التواصل، ونكررها كثيرًا، بينما تمر مواقف الوفاء والاحتواء والدعم وكأنها أمر طبيعي لا يستحق الذكر. كان الناس في الماضي يتناقلون أخبار الكرم والمروءة والوفاء حتى أصبحت تلك المواقف قدوةً للأجيال، أما اليوم فنحن بحاجة إلى أن ننقل مواقف المديرين الذين يصنعون الأثر في حياة موظفيهم، لأن نشر النماذج الإيجابية لا يقل أهمية عن نقد الأخطاء، بل هو الذي يصنع ثقافة إدارية أفضل، ويشجع المديرين على الاقتداء بها.
إن الإشادة بالمدير العادل والإنساني ليست مجاملة، بل تقدير لقيمة نريد لها أن تنتشر، ورسالة لكل مدير جديد بأن الأنظمة تحفظ الحقوق، أما الرحمة والحكمة فتصنعان الولاء والانتماء.
والمدير لا يُقاس فقط بعدد المشاريع التي أنجزها، ولا بحجم الميزانيات التي أدارها، بل يُقاس أيضًا بعدد الموظفين الذين تغيرت حياتهم إلى الأفضل بسببه، وبالأثر الطيب الذي تركه في نفوس من عملوا معه. فهذه الإنجازات تبقى في ذاكرة الناس سنوات طويلة، ولو كانوا يتكلمون لعرف الناس أن في مؤسساتنا مديرين يصنعون حياة قبل أن يصنعوا إنجازات.



