لهذا، قررتُ أن أحفر حفرةً.. حفرةً صغيرةً لا تتسع إلا لاعترافي، ولا تضيق عن غيمة.
أحفرها بيدي لأدفن سؤالًا قديمًا:
لماذا كل هذا العبور دون وصول؟ ولماذا يشبه الطريقُ نفسه مهما تغيّرت الوجوه؟
كنتُ أظن أن الحفر فعلُ تعب، لكنه كان فعلَ خلاص، كأنك تنزل قليلًا لتصعد أكثر، أو تقترب من ذاتك حين تبتعد عن الضجيج.
وحين انتهيت، وضعتُ فيها غيمة.
لم تكن غيمةً عابرة، بل كانت ذاكرةً بيضاء، تحمل رائحة المطر الأول، وصوت أمي حين كانت تنادي اسمي البعيد.
كانت خفيفةً بما يكفي لتطير، وثقيلةً بما يكفي لتبقى. وضعتها بحذر، حتى أودع حلمًا لا أريد له أن يموت.
ثم ردمتُ الحفرة.
لم أدفن الغيمة، بل زرعتها. كنت أعلم أن السماء تحتاج أحيانًا أن تُزرع في الأرض، كي تتذكر كيف تمطر. وأن القلب، حين يضيق، لا يحتاج إلى جناحين بقدر ما يحتاج إلى جذر.
مرّ الوقت..
وكبرت الحفرة في داخلي، وصغرت في الأرض.
وصارت الغيمة شجرةً من غياب، تثمر مطرًا كلما اشتقتُ.
تسقط على كتفي كقصيدة لم تُكتب بعد.
وأرى في ظلالها وجوهًا عبرت حياتي ثم مضت، لكنها تركت أثرها كالنور على صفحة الماء. فأدرك أن الغياب ليس دائمًا نهاية الحكاية، بل صورة أخرى للحضور، وأن ما يسكن الذاكرة بصدق يظل قادرًا على منح أيامنا معنى جديدًا.
تعلمتُ أن الأشياء لا تُفقد حين ندفنها، بل تتحول.
وأن الغيمة التي نخبئها في التراب، تعود يومًا لتدلّنا على الطريق.. حين نضيع.
[email protected]



