وفي هذا السياق، يمكن فهم كثير من السلوكيات المعاصرة من خلال ما يُعرف بالنمذجة الذاتية، حيث يقوم الفرد ببناء صورة متخيلة عن ذاته، ثم يسعى إلى تجسيدها في سلوكه وتفاعلاته اليومية، حتى تصبح جزءًا من هويته الظاهرة أمام الآخرين. فبينما تمثل الوجاهة المكانة المكتسبة بالأثر الحقيقي، يمثل المظهر ما يُعرض للناس من انطباعات، لتأتي النمذجة الذاتية كعملية تحاول الربط بين الصورة الداخلية والصورة الاجتماعية.
ويتصل هذا النمط سلوكيًا بإدارة الانطباع، حيث يوجه الإنسان جزءًا من جهده نحو تشكيل الصورة التي يتركها لدى الآخرين، وقد يمتد ذلك أحيانًا إلى إعادة صياغة بعض ملامح سلوكه بما يتوافق مع هذه الصورة، مدفوعًا برغبة في تعزيز القبول الاجتماعي. ويتجلى ذلك في كثرة الحضور الاجتماعي والمشاركة بالمناسبات، حتى خارج سياق الحاجة المباشرة إليها.
وقد تتداخل هذه السلوكيات مع بعض السمات النرجسية بدرجات متفاوتة، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود اضطراب نفسي، بل هي أنماط سلوكية تتباين بين الأفراد. كما تتقاطع في بعض الحالات مع مفهوم التعويض النفسي، الناتج عن شعور داخلي بعدم الرضا عن المكانة الذاتية، مما يدفع الفرد إلى تعزيز صورته الاجتماعية بشكل مبالغ فيه، سواء من الناحية العلمية أو المالية أو الاجتماعية. وهنا يبرز ما يُعرف بالاستهلاك الاستعراضي، حين تتحول بعض الممارسات الاجتماعية إلى وسيلة لإبراز المكانة، أكثر من كونها تعبيرًا تلقائيًا عن قيمة حقيقية.
ومع استمرار هذا النمط في السياقات الرقمية والاجتماعية المتسارعة، قد تتسع الفجوة تدريجيًا بين الهوية الحقيقية للإنسان وصورته الاجتماعية، وهو ما يفسره علم النفس بمفهوم التنافر المعرفي، حيث يحدث عدم اتساق بين ما يدركه الإنسان عن ذاته في داخله، وما يظهره أو يقدمه في الفضاء العام.
ولعل ما يغذي هذه الظاهرة هو قِصر الذاكرة الاجتماعية، حيث تميل الانطباعات العامة إلى التركيز على المشهد الظاهر واللحظي، مع ضعف استحضار الأثر التراكمي الممتد، وهو ما يعزز تأثير الحضور المتكرر على حساب القيمة طويلة المدى. ومن زاوية اجتماعية أوسع، فإن المكانة التاريخية للأسر أو الآباء والأجداد تمثل رصيدًا ممتدًا في الذاكرة الجمعية، وقد ينعكس ذلك على الانطباع العام تجاه امتدادها، غير أن المبالغة في الحضور اللحظي قد تُحدث أحيانًا تفاوتًا بين هذا الإرث والسلوك المعاصر، مما يؤثر على توازن الصورة الذهنية ضمن ما يُعرف بالهوية الاجتماعية الممتدة.
وعلى المستوى المجتمعي العام، فإن غلبة الظهور على حساب الأثر قد تؤثر على معايير التقييم الاجتماعي، فتختلط الوجاهة الحقيقية بالمشهد المؤقت، وقد تُمنح المكانة أحيانًا لمن يجيد صناعة الانطباع أكثر من أصحاب الإنجاز الفعلي. كما قد يؤدي ذلك إلى تراجع نسبي في حضور الرموز الاجتماعية الهادئة التي تبني مكانتها على العطاء المستمر، لا على الظهور اللحظي، مما يضعف من وضوح نماذج القيادة الاجتماعية المتوازنة.
وفي نهاية المطاف، فإن المجتمعات تميل مع الوقت إلى تمييز الأثر الحقيقي عن المشهد العابر، إذ لا يبقى من كثافة الظهور إلا ما يثبته الزمن من قيمة. فالوجاهة الأصيلة لا تحتاج إلى صناعة مستمرة للانطباعات، لأن أثر الإنجاز الصادق يفرض حضوره بطبيعته.
لذا، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه الإنسان اليوم لا يتمثل في تحسين صورته أمام الآخرين بقدر ما يتمثل في جودة أثره في محيطه، وهو ما يصنع مكانة الإنسان على المدى البعيد، حتى بعد أن تخفت الأضواء وتزول الصور.
أكاديمي بجامعة الملك سعود
[email protected]



