حينها فقط أدركت أن ما ظننته صرامة، لم يكن إلا طريقةً هادئةً كي لا تنهار الحياة.
كانت أمي حاضرة دائمًا، لا تغيب. كأنها البداية الأولى لكل شيء، وكأن البيت لا يستقيم إلا بها. ومنذ الفجر، وقبل شروق الشمس، كانت هي حضورنا الذي يضيء اليوم بثباتٍ يشبه اليقين.
كنا نظن أن البيوت تُدار وحدها، وأن الهدوء حالة طبيعية لا تحتاج إلى من يصنعها، وأن الاستقرار شيء يحدث دون جهد. لم نكن ندرك أن خلف هذا الاتزان امرأة تمسك كل التفاصيل بصمتٍ دقيق.
بيتٌ فيه أحد عشر ابنًا وابنةً... لكل واحدٍ منا احتياجه، وطباعه، واندفاعه، وطريقته في التعامل مع العالم.
كبرنا، وبدأ يتبدل المعنى في داخلنا.
ما كنا نسميه صرامة، اكتشفنا أنه شكل من أشكال الحماية.
وما كنا نراه جدية، كان في حقيقته طريقةً للبقاء وسط فوضى الحياة.
لم تكن جديتها قسوة، ولا انتظامها صرامة، بل شكلًا من أشكال الحماية الهادئة. كانت تُمسك بيومنا كي لا يتفلت، وتجمع شتاتنا قبل أن نشعر أننا قد نتبعثر.
لم تكن تُدير البيت فحسب، بل كانت تُديرنا نحن أيضًا؛ تجمعنا حين نتشتت، وتهدئ قلقنا دون أن تسميه، وتمنح أيامنا شكلها الذي لم ننتبه إليه إلا متأخرين.
إخوتي كالدروع حولها، ونحن الفتيات الخمس كزهورٍ تحيط بها من الجهات، لكلٍ منا لونٌ وطبع، لكنها كانت المركز الذي لا يختل، وإن اختل كل شيء حوله.
ثم هناك تلك اللحظة التي لا تُنسى: أن ترى من تحب يبتسم، فيخفّ عنه شيء لا يُرى... فتدرك أن للسعادة وجوهًا لا تُقاس بوضوحها، بل بأثرها. كما قيل: أن أراكِ مسرورة... هذا سروري.
ومؤخرًا، أعادت حملة إنسانية لعلامةٍ تجارية شهيرة هذا المعنى إلى الواجهة. فقد اختفت «الابتسامة» التي اعتدناها على الرفوف، ليس خللًا في المنتج، بل رسالة تقول إن ما نعتبره ثابتًا أحيانًا يستحق أن نتوقف عنده. جاءت الحملة لتفتح حديثًا عن الصحة النفسية، وتدعو إلى مساحة أصدق في التعبير عن المشاعر بدل تراكمها في صمت طويل.
لم يكن الغياب هدفه الإرباك، بل التذكير: كم من الأشياء نأخذها كمسلمات فقط لأنها لم تختفِ بعد؟
اليوم، لا أبحث في وجه أمي عن شيء جديد.
وأفهم أخيرًا أن بعض الأمهات لا يحتجن إلى أن يضحكن كثيرًا...
كي يكنّ سببًا في كل ما هو جميل في حياتنا، لأنهن الحياة.



