كان المكان أهدأ مما ينبغي، كأنه يتواطأ مع المساء ليسمعني ما ظللت أتجاهله طويلًا. ضوء خافت ينسكب على حواف الطاولة، وغبار رقيق يتطاير في مساره كلما شقّ العتمة. بعض الليالي لا تثقل لأنها طويلة، بل لأنها تقع على هامش العمر!
الذكريات حين تُغريك بالعودة لا تقول لك الحقيقة كاملة، تُريك التفكير وتُخفي مزالق الحنين. كل شيء تغيّر؛ الأماكن التي كانت تتسع لفرحك ضاقت، والوجوه التي كانت قريبة ابتعدت، والناس مضوا في اتجاهاتهم، حتى أنت!
فلا تنتظر من الزمن أن يكون كريمًا مع الذكريات، الزمن يمضي ولا يترك خلفه إلا أطيافًا باهتة من سعادة كانت يومًا كاملة. لقد كبرت، تغيرت، ونضجت. الأشياء الجميلة حين تعود إليها تبوح لك بأنها كانت تنتمي لزمان غير هذا الزمان. صورك القديمة، وأغانيك التي كانت تشعل قلبك فرحًا وحبًا، ودفاترك المخبأة في الأدراج، وأحلامك التي لم تتحقق، كلها حين تُخرجها من أعماق الذاكرة تتنفس الحنين وتهمس لك أن الماضي لا يُستعاد، وأن كل ما كان عاش أجمل أيامه وانتهى!
تتأمل الصور فتكتشف أنها تحتفظ بابتسامة وملامح لم تعد تشبهك الآن، وتسمع الأغاني فلا تعود تغمرك بنبض الدفء، وتقرأ دفاترك فتتعجب من براءة الأفكار وبساطة التعبير والأمنيات، وتنظر إلى أحلامك المؤجلة فتدرك أن بعضها لم يعد يشبهك!
حتى ناديك الرياضي الذي يسكنك، ذاك الذي كنت تهتف له من قاعك، وتناوش لأجله كل منافس، خفَتَ وهجه في داخلك دون أن تشعر، وخفَت معه ضجيج الشوارع وأحاديث الأصدقاء ومشاغبات المدرسة التي كنت تظنها ستمتد حتى آخر محطات العمر، ثم تنتبه فجأة أن شيئًا فيك قد تغيّر، وأن ما كان يملأ قلبك ذات زمن لم يبقَ اليوم سوى ذكرى دافئة تُحبها، لكنها لم تعد تملك السلطة ذاتها على مشاعرك.
ما أصعب أن يفتش الإنسان عن ملامحه في دفتر قديم على أسطر الأمس، أن تقف أمام أدراجك فلا تقرأ إلا رسالة نسيتها الأيام، أن تجمع شتات روحك بحثًا عن بقايا نفسك، وتحاول أن تُعيد رسم تفاصيلك التي محتها رياح الزمن!
وتتيقن أن الحياة قد مضت بك، وأنك صرت شخصًا آخر يحمل من الأمس حنينه ويرتشف من حاضره النضج، ويعرف كيف تمر السنوات وتترك بصماتها في القلب، فتعي أن الأيام مهما تعاقبت لم تكن سوى معلم صبور يصقل فيك الفهم، وليست مجرد أرقام، بل دروس وتجارب تنضج الوعي حتى صار يقرأ عمره في ملامح ذكرياته وتفاصيل مشاعره، وإن أثقلت روحه محاولة بعث ما انقضى أو إعادة رسم ما رحل.
[email protected]



