إن قراءة هذا المشهد بعين فاحصة تمنحنا درسًا بليغًا في فلسفة إدارة الأزمات؛ فالجمهور اليوم لا يُقيم الخطأ التشغيلي بذات التفاعل التي يُقيم به التهرب من المسؤولية. وعندما يغيب الاتزان والتقدير عن الخطاب المؤسسي، يتحول الرد من أداة لاحتواء الموقف إلى وقود يُشعل منصات التواصل الاجتماعي ويُوسع دائرة الملامة.
تكمن الخطيئة الكبرى في هذه الأزمة في «البيان الأول» الذي صدر عن الجهة المعنية عبر إحدى المنصات الرقمية، والذي جاء كنموذج لكيفية إضعاف السمعة المؤسسية في وقت وجيز. فقد افتقر البيان إلى أبسط قواعد الذكاء العاطفي والاتزان المهني، وظهر بلغة دفاعية حادة تنضح بـ «الأنا» المتعالية، بدلاً من إظهار التواضع وتحمل المسؤولية.
إن الاندفاع نحو تحميل المسؤولية للطرف الآخر، أو الاحتماء ببنود الشروط والأحكام في لحظة احتقان جماهيري، يعكس غيابًا واضحًا لمهندسي الاتصال الاستراتيجي خلف الكواليس.
الدرس الأهم هنا لكل الجهات الخدمية هو أن البيان الأول في الأزمات ليس ساحة للمحاججة القانونية أو لإثبات البراءة، بل هو جسر لامتصاص الغضب، وإظهار التقدير، وإرساء قيم الاستحقاق؛ وحين تسقط السعة الإنسانية والتقدير من الخطاب، يتراجع معه رصيد الثقة بصورة مباشرة.
ولو فككنا المشهد بعين خبير متأمل، لوجدنا أن احتواء هذه الأزمة كان ممكنًا وبأقل التكاليف، بل وبما يرفع من قيمة السمعة المؤسسية ويجعل المجتمع خط دفاعٍ عنها. كان الأجدر تبني فلسفة «المبادرة الشهمة والاحتواء المبكر»، عبر الاعتذار الصريح دون مواربة، وإطلاق مبادرة استباقية تعكس الجدية في معالجة الموقف، مع تقديم حلول عملية تعيد بناء الرضا والثقة، وتُظهر احترام الطرف المتضرر.
بل كان يمكن الذهاب أبعد من ذلك بإطلاق مبادرات نوعية في تحسين تجربة العميل، وتقديم ضمانات واضحة للتعويض العادل والفوري في الحالات المماثلة، بعيدًا عن التعقيدات الإجرائية والشروط المقيدة. هذا النمط من الإدارة الاتصالية الذكية يحوّل الخطأ إلى فرصة لإثبات النضج، ويبرز الجهة ككيان حي يتنفس الاحترام ويثق بكفاءته، مما يدفع الرأي العام للإشادة بحسن التعامل بدلاً من التصعيد.
ختامًا، إن بناء مكانة المؤسسات ورسوخ صورتها الذهنية لا يأتي من الحملات الإعلانية أو البهرجة التسويقية، بل من النضج الذي تبديه في لحظات الخطأ والانكسار. يجب على الجهات الخدمية أن تدرك جيدًا أن صون السمعة يتطلب استثمارًا حقيقيًا في العقول التي تصيغ الخطاب وتدير الموقف؛ فالأزمة تصنعها التفاصيل الصغيرة، وتنهيها الحكمة الكبيرة.
إن الموقف كان يمكن احتواؤه بكلفة محدودة، لكن الكلمة غير الموفقة قد تكلف أي جهة رصيدًا كبيرًا من الثقة والصورة الذهنية، وهي خسارة لا تُرممها البنود، بل يعيد بناءها الإيمان العميق بأن «رضا العميل هو رأس المال الحقيقي» الذي تتزين به سمعة أي منظومة وتستمر به في النمو.
[email protected]



