كذلك لفت انتباهي شركتان خلال الزيارة سرعان ما أصبحتا حديث العالم بعدها بأشهر؛ الأولى كانت بنك سيليكون فالي «SVB»، وأوضح لي جزء مهم من قصة وادي السيليكون ودور التمويل والاستثمار الجريء في تمكين استمرار نجاح النموذج، وإن لم يكن موجودًا منذ البداية. تناول الإعلام بشكل واسع جدًا الأزمة التي حصلت للبنك في عام 2023م، وتحدث عنها الكثير من المحللين والمختصين، لكنها لا تغير محورية دور التمويل في تاريخ نجاح الوادي.
أما الشركة الثانية التي تركت انطباعًا كبيرًا لدي فكانت شركة «نفيديا» -Nvidia-، والتي سرعان ما أصبحت الشركة ذات القيمة السوقية الأعلى في العالم، وكنت أعرف عنها أنها تنتج «بطاقات الرسومات» -PC Graphic Cards- لألعاب الكمبيوتر، وطورتها إلى ما سمته بـ»وحدة معالجة الرسومات» -Graphics Processing Unit “GPU”-، ثم أصبحت أسمع عن استخدام أنواع مطورة من هذه الوحدات لدعم العمليات الحسابية المعقدة -High-performance Computing-. خلال الزيارة استعرضت الشركة بعض نماذج المحاكاة الفيزيائية التي طورتها، وكانت متميزة جدًا في ذلك الحين من حيث محاكاة الواقع أو من خلال جودة الرسومات، حتى مع مقارنتها بما رأيته في الشركات التي كانت حينها أكبر وأشهر، لكن ما لم أكن أعلمه أو أتوقعه هو النجاح العظيم الذي حققته الشركة من خلال تحولها لحجر الأساس في حوسبة الذكاء الاصطناعي التوليدي!
كان وادي السيليكون أحد الأمثلة التي استعملها مايكل بورتر أستاذ الاستراتيجية الشهير في جامعة هارفارد، لتطوير نظرية «التجمعات» -Clusters-. والتجمعات لدى بورتر هي تجمع لعدد من الشركات والمؤسسات المترابطة في مجال محدد، وقد تشمل نطاقًا واسعًا من المجالات المكملة والمحفزة للمنافسة، وتستفيد من وجود جامعات وجهات بحثية ومؤسسات حكومية وغيرها تقدم لها التدريب والتعليم والأبحاث والدعم التقني. وهو وإن كان يرى أن التجمعات تنشأ بشكل عفوي، إلا أن نظريته أدت إلى محاولات لإنشاء تجمعات أو «أودية» بشكل مخطط وليس نشوء عضوي. بينما ترى أستاذة التاريخ في جامعة واشنطن مارجرت أومارا -Margaret O›Mara- في كتابها المميز عن تاريخ وادي السيليكون «الشفرة» -The Code: Silicon Valley and the Remaking of America- أن نجاح نموذج الوادي لم يكن بسبب دور الإنفاق الحكومي وحده ولا منافسة السوق الحرة بين الشركات، وإنما المزيج بينهما.
أهم ما خلصت إليه من خلال هذا البرنامج هو أن نموذج وادي السيليكون يحتوي على عدد من المكونات التي لا يمكن إغفالها للنجاح والاستمرارية، ولا أظنه قابلًا للاستنساخ، لكنه بلا شك قابل للاستلهام.
أولًا: هو وجود جامعات بحثية قوية في المجالات التقنية ومتنافسة فيما بينها بالقرب من بعضها، وهذا بحد ذاته يتطلب عقودًا للوصول إليه.
ثانيًا: نجاح شركات رائدة تشق الطريق في مجالات تقنية متخصصة، تنتج عنها مشاريع فرعية وتتحول كذلك إلى شركات تتنافس على المنتجات والحصص السوقية إضافة إلى تنافسها على رأس المال البشري.
ثالثًا: نشوء أعراف مهنية وتشريعات تساعد استمرار التنافسية بين الشركات، وحرية حركة تنقل العاملين دون عوائق بين هذه الشركات والتنافس على استقطابهم بدلًا من تكبيلهم، وإعطائهم مساحات كبيرة من الحرية في العمل المرن وقياس الإنتاجية وليس الانضباط بأوقات أو أماكن العمل.
رابعًا: الموازنة بين دور الدعم الحكومي من خلال تمويل الأبحاث والشراء الحكومي، مع منافسة السوق الحرة.
وأخيرًا: وجود وسائل تمويل مرنة ومتعددة، من المشاريع البحثية في الجامعات إلى الاستثمار الجريء إلى القروض البنكية، لتغطية احتياجات التمويل المختلفة لكامل مراحل حياة المشروع.
@AlQurtas



