في سيرة المصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم -، وبعد أن تمت المحادثات حول شروط بيعة العقبة، وأجمعوا على البدء فيها، وقف رجلان من الرعيل الأول خافا من ضعف الجدية والتراجع بعد البداية، وبينوا للقوم خطورة المسؤولية، حتى لا يبايعوا إلا وهم على جلية من الأمر، وليعرفوا مستوى الجدية والقدرة على الاستمرار والتضحية.
فوقف الصحابي الجليل العباس بن عبادة بن نَضْلَة - رضي الله عنه -، وقال: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟
قالوا: نعم.
قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نَهَكَت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلى، أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نَهْكَة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة.
قال الأبطال: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، ثم التفتوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وقالوا: فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟
قال - صلى الله عليه وآله وسلم -: «الجنة».
قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.
وتأكيدًا على قول «نعم»، أخذ أسعد بن زرارة - رضي الله عنه «وهو أصغر السبعين المبايعين» بيده وقال: رويدًا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله.
فقالوا: يا أسعد، أمِط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، وقاموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - رجلًا رجلًا فأخذ عليهم البيعة.
إذا بدأت فلا تتوقف، فالبطولة ليست في البدايات المشتعلة، بل في القدرة على الثبات حتى النهاية، وكثيرون يصفقون للبدايات، ولكن التاريخ يكتبه الذين أكملوا الطريق.
[email protected]



