مثل فشل الإدارات التي تتعامل مع من يعملون معها بغموض وبغير وضوح فيدخل الشك والريبة ويقل الحماس والدافعية. ومثله قراراتنا الشخصية التي تبدأ مجاملة فتكون عواقبها وخيمة.
الوضوح مطلب، وهو لا يغضب العقلاء، بل يجعلهم أمام مسؤولياتهم، ومن ذلك ما حدث في بيعة العقبة الثانية التي يحدثنا أحد حاضريها كعب بن مالك الأنصاري فيقول: خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج، نمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، نتسلل تسلل القطا، مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا، وامرأتان من نسائنا؛ نسيبة بنت كعب ـ أم عمارة ـ من بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو ـ أم منيع ـ من بني سلمة.
فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جاءنا، ومعه عمه العباس بن عبد المطلب ـ وهو يومئذ على دين قومه ـ إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له، وكان أول متكلم، حيث قال بكل صراحة ووضوح: يا معشر الخزرج ـ وكان العرب يسمون الأنصار خزرجًا، خزرجها وأوسها كليهما ـ إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده.
قال كعب: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
وضوح العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - لم يكن مجرد كلمات، بل كان حماية لمستقبل دعوة، ورسمًا لحدود المسؤولية قبل وقوعها.. فكم من مشروع اليوم كان سينجح لو قيلت فيه تلك الكلمات الصريحة في بدايته.
[email protected]


