لكن العبارة تقول بهدوء مختلف: «إذا لم تنجح الخطة أ، فالأبجدية لا تزال تحوي 27 حرفًا أخرى». في ظاهرها تبدو جملة تحفيزية عابرة، لكنها في عمقها تصحيح لفكرة أعمق تقول: نحن لا نُهزم حين تفشل خططنا، نحن نُهزم حين نُضيّق معنى الإمكان، والفشل الحقيقي لم يكن في تعثّر الطريق، وإنما في اعتقادنا أن الطريق كان واحدًا.
والحياة بطبيعتها لا تُكتب بحرف واحد؛ هي نصّ طويل مفتوح قابل للتعديل، وأحيانًا لإعادة الكتابة من جديد. فكل خطة ليست إلا محاولة لترجمة رغبة داخلية إلى واقع، لكنها ليست الواقع ذاته. وحين تتعثر فهي لا تعلن نهاية الحكاية، بل تكشف لنا أننا بالغنا في تقديس البداية.
في الفلسفة ثمة فرق بين الغاية والوسيلة، وكثيرون يخلطون بينهما ويظنون أن الخطة هي الغاية، فيتشبثون بها حتى حين تفقد معناها. بينما الحقيقة أن الغاية أوسع من أي خطة، وأكثر رحابة من أي طريق. فحين تفشل خطة ما فهي لا تسلبنا الهدف، بل تدعونا لإعادة تعريف الوسيلة.
ولعل أجمل ما في هذه العبارة أنها تعيد الإنسان إلى حقيقته الأولى ككائن قادر على الاختيار، فنحن لسنا أسرى قراراتنا الأولى، ولا محكومين بمحاولة واحدة. في داخل كل إنسان أبجدية كاملة من البدائل، من الاحتمالات، من المسارات التي لم تُكتشف بعد.
والفشل ليس جدارًا، وإنما نافذة نطل منها على أنفسنا كما لم نكن نراها ونحن مشغولون بالوصول. نافذة تجبرنا على التواضع، وعلى الاعتراف بأن الحياة ليست مشروعًا هندسيًا دقيقًا، بل تجربة إنسانية مفتوحة مليئة بالمفاجآت والانحرافات الجميلة.
ولأننا نخشى الفراغ نتمسك بالخطة أ حتى بعد موتها، ونصرّ على إحيائها خوفًا من المجهول الذي بعدها، مع أن هذا المجهول هو في كثير من الأحيان الفرصة التي لم نكن نملك الشجاعة لاختيارها.
خلاصة القول: الذكاء ليس في نجاح خطتك الأولى، بل في أن تملك مرونة الحرف التالي، وأن تعرف متى تكمل ومتى تعيد الكتابة، ومتى تقرأ نفسك من جديد. فالحياة لا تُقاس بعدد الخطط التي نجحت، بل بقدرتك على ألا تتوقف عند أول حرف خذلك.
[email protected]



